الصفحة 126 من 575

وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده، صار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي ـ رضي الله عنه ـ مثل كثير من أهل الشام، ممن كان إذ ذاك يسب عليًا ـ رضي الله عنه ـ ويبغضه.

وقوم ممن يحب عليًا ـ رضي الله عنه ـ ويغلو فيه ينحرف عن عثمان ـ رضي الله عنه مثل كثير من أهل العراق، ممن كان يبغض عثمان ويسبه ـ رضي الله عنه.

ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك، حتى سبوا أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ وزاد البلاء بهم حينئذ.

والسنة محبة عثمان وعلى جميعا، وتقديم أبى بكر وعمر عليهما ـ رضي الله عنهم ـ لما خصهما الله به من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعليا جميعًا. وقد نهى الله في كتابه عن التفرق والتشتت، وأمر بالاعتصام بحبله.

فهذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله؛ فإن السنة مبناها على العلم والعدل، والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فالرافضة لما كانت تسب الصحابة صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة، ثم كفرت الصحابة وقالت عنهم أشياء، قد ذكرنا حكمهم فيها في غير هذا الموضع.

ولم يكن أحد إذ ذاك يتكلم في يزيد بن معاوية ولا كان الكلام فيه من الدين، ثم حدثت بعد ذلك أشياء، فصار قوم يظهرون لعنة يزيد بن معاوية. وربما كان غرضهم بذلك التطرق إلى لعنة غيره، فكره أكثر أهل السنة لعنة أحد بعينه، فسمع بذلك قوم ممن كان يتسنن، فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى.

وصار الغلاة فيه على طرفي نقيض، هؤلاء يقولون: إنه كافر زنديق، وإنه قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة ليأخذ بثأر أهل بيته الذين قتلوا كفارًا، مثل جده لأمه عتبة بن ربيعة، وخاله الوليد، وغيرهما، ويذكرون عنه من الاشتهار بشرب الخمر وإظهار الفواحش أشياء.

وأقوام يعتقدون أنه كان إماما عادلا هاديًا مهديًا، وأنه كان من الصحابة أو أكابر الصحابة، وأنه كان من أولياء الله تعالى. وربما اعتقد بعضهم أنه كان من الأنبياء! ويقولون: من وقف في يزيد وقفه الله على نار جهنم، و يروون عن الشيخ حسن بن عدي: أنه كان كذا و كذا وليًا، ومن وقفوا فيه وقفوا على النار؛ لقولهم في يزيد. وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة نظمًا ونثرًا. وغلوا في الشيخ عدي وفي يزيد بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير ـ قدس الله روحه ـ فإن طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع، وابتلوا بروافض عادوهم، وقتلوا الشيخ حسنا، وجرت فتن لا يحبها الله ولا رسوله.

وهذا الغلو في يزيد من الطرفين، خلاف لما أجمع عليه أهل العلم والإيمان.

فإن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء، ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح، وكان من شبان المسلمين، ولا كان كافرًا ولا زنديقًا، وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، ولم يكن مظهرًا للفواحش كما يحكي عنه خصومه.

وجرت في إمارته أمور عظيمة:

أحدها: مقتل الحسين ـ رضي الله عنه ـ وهو لم يأمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت بالقضيب على ثناياه ـ رضي الله عنه ـ ولا حمل رأس الحسين ـ رضي الله عنه ـ إلى الشام، لكن أمر بمنع الحسين ـ رضي الله عنه ـ وبدفعه عن الأمر، ولو كان بقتاله، فزاد النواب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت