الصفحة 135 من 575

العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.

والمقصود هنا أن من يقول في الرسول وبيانه للناس مما هو من قول الملاحدة، فكيف يكون قوله في السلف؟ حتى يدعي اتباعه، وهو مخالف للرسول والسلف عند نفسه وعند طائفته، فإنه قد أظهر من قول النفاة ما كان الرسول يرى عدم إظهاره، لما فيه من فساد الناس. وأما عند أهل العلم والإيمان فلا.

وكذلك احتجاجهم بأن أهل الصُفَّة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع المشركين لما انتصروا، وزعموا أنهم مع الله؛ ليحتجوا بذلك على متابعة الواقع، سواء كان طاعة لله أو معصية؛ وليجعلوا حكم دينه هو ما كان، كما قال الذين أشركوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} [الأنعام: من الآية148] [الأنعام: 148] ، وأمثال هذه الموضوعات كثيرة.

وأما المجملات، فمثل احتجاجهم بنهي بعض الصحابة عن ذكر بعض خفي العلم، كقول على ـ رضي الله عنه ـ: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟ وقول عبد الله بن مسعود: ما من رجل يحدث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقول عبد الله بن عباس في تفسير الآيات: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت، وكفرك بها تكذيبك بها.

وهذه الآثار حق، لكن ينزل كل منهم ذاك الذي لم يحدث به على ما يدعيه هو من الأسرار والحقائق، التي إذا كشفت وجدت من الباطل والكفر والنفاق، حتى إن أبا حامد الغزالي في [منهاج القاصدين] وغيره، هو وأمثاله تمثل بما يروى عن علي بن الحسين أنه قال:

فإذا كانت هذه طرق هؤلاء الذين يدعون من التحقيق وعلوم الأسرار ما خرجوا به عن السنة والجماعة، وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية مختصة بهم، فآمنوا بمجملها ومتشابهها، وأنهم منحوا من حقائق العبادات وخالص الديانات ما لم يمنح الصدر الأول حفاظ الإسلام وبدور الملة، ولم يتجرؤوا عليها برد وتكذيب ـ مع ظهور الباطل فيها تارة، وخفائه أخرى ـ فمن المعلوم أن العقل والدين يقتضيان أن جانب النبوة والرسالة أحق بكل تحقيق وعلم ومعرفة، وإحاطة بأسرار الأمور وبواطنها.

هذا لا ينازع فيه مؤمن، ونحن الآن في مخاطبة من في قلبه إيمان.

وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك أخصهم بالرسول، وأعلمهم بأقواله، وأفعاله، وحركاته، وسكناته، ومدخله، ومخرجه، وباطنه، وظاهره، وأعلمهم بأصحابه وسيرته وأيامه، وأعظمهم بحثًا عن ذلك وعن نقلته، وأعظمهم تدينا به واتباعًا له واقتداء به، وهؤلاء هم أهل السنة والحديث؛ حفظًا له، ومعرفة بصحيحه وسقيمه، وفقها فيه وفهما يؤتيه الله إياه في معانيه، وإيمانًا وتصديقًا، وطاعة وانقيادًا واقتداء واتباعًا، مع ما يقترن بذلك من قوة عقلهم وقياسهم وتمييزهم، وعظيم مكاشفاتهم ومخاطباتهم، فإنهم أسَدُّ الناس نظرًا وقياسًا ورأيًا، وأصدق الناس رؤيا وكشفًا.

أفلا يعلم من له أدنى عقل ودين، أن هؤلاء أحق بالصدق والعلم والإيمان والتحقيق ممن يخالفهم؟ وأن عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع؟ وأن الذي عندهم هو الحق المبين؟ وأن الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذي معه من الحشو ما معه، ومن الضلال كذلك؟ وهذا باب يطول شرحه، فإن النفوس لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصره إلا ذو الجلال.

والأقوال إخبارات، وإنشاءات؛ كالأمر، والنهي، فأحسن الحديث وأصدقه كتاب الله، خبره أصدق الخبر، وبيانه أوضح البيان، وأمره أحكم الأمر: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت