فهرس الكتاب
يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 6] ، وكل من اتبع كلامًا أو حديثًا ـ مما يقال: إنه يلهمه صاحبه، ويوحى إليه، أو إنه ينشئه ويحدثه مما يعارض به القرآن ـ فهو من أعظم الظالمين ظلمًا.
فإن المتفلسفة تقول: إن الرسل لم يتمكنوا من بيان الحقائق لأن إظهارها يفسد الناس، ولا تحتمل عقولهم ذلك، ثم قد يقولون: إنهم عرفوها. وقد يقول بعضهم: لم يعرفوها، أو أنا أعرف بها منهم، ثم يبينونها هم بالطرق القياسية الموجودة عندهم. ولم يعقلوا أنه إن كان العلم بها ممكنا فهو ممكن لهم، كما يدعون أنه ممكن لهم، وإلا فلا سبيل لهم إلى معرفتها بإقرارهم، وكذلك التعبير وبيان العلم بالخطاب والكتاب إن لم يكن ممكنًا فلا يمكنكم ذلك وأنتم تتكلمون وتكتبون علمكم في الكتب. وإن كان ذلك ممكنًا فلا يصح قولكم: لم يمكن الرسل ذلك.
وإن قلتم: يمكن الخطاب بها مع خاصة الناس دون عامتهم ـ وهذا قولهم ـ فمن المعلوم أن علم الرسل يكون عند خاصتهم كما يكون علمكم عند خاصتكم. ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم، كان أحق بالاختصاص به. ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول، وعلم خاصته مثل: الخلفاء الراشدين وسائر العشرة، ومثل: أبي بن كعب، وعبد الله ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، ومثل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، وعباد بن بشر، وسالم مولي أبي حذيفة، وغير هؤلاء ممن كان أخص الناس بالرسول، وأعلمهم بباطن أموره وأتبعهم لذلك.
فعلماء الحديث أعلم الناس بهؤلاء وببواطن أمورهم، وأتبعهم لذلك، فيكون عندهم العلم: علم خاصة الرسول وبطانته، كما أن خواص الفلاسفة يعلمون علم أئمتهم، وخواص المتكلمين يعلمون علم أئمتهم، وخواص القرامطة والباطنية يعلمون علم أئمتهم، وكذلك أئمة الإسلام مثل أئمة العلماء. فإن خاصة كل إمام أعلم بباطن أموره، مثل: مالك بن أنس، فإن ابن القاسم لما كان أخص الناس به وأعلمهم بباطن أمره اعتمد أتباعه على روايته، حتى إنه تؤخذ عنه مسائل السر التي رواها ابن أبي الغَمْر، وإن طعن بعض الناس فيها، وكذلك أبو حنيفة، فأبو يوسف، ومحمد، وزُفَر أعلم الناس به، وكذلك غيرهما.
وقد يكتب العالم كتابًا أو يقول قولًا، فيكون بعض من لم يشافهه به أعلم بمقصوده من بعض من شافهه به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامِع) ، لكن بكل حال لابد أن يكون المبلغ من الخاصة العالمين بحال المبلغ عنه، كما يكون في أتباع الأئمة من هو أفهم لنصوصهم من بعض أصحابهم.
ومن المستقر في أذهان المسلمين: أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء هم الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا ودعوة إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباع الرسول حقًا وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت، فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشْب الكثير، فزكت في نفسها وزكى الناس بها. وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة؛ ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45] ، فالأيدي: القوةُ في أمر الله، والأبصار: البصائرُ في دين الله، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه.
فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل، ففجَّرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورزقت فيها فهمًا خاصًا، كما قال أمير المؤمنين علي بن