الصفحة 141 من 575

النبوية ولمعاني القرآن، وأكثر قدحًا في سلف الأمة وأئمتها، وطعنًا في جمهور الأمة من جميع الطوائف، فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة.

ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف، أن خير قرون هذه الأمة ـ في الأعمال والأقوال، والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها ـ القرن الأول، ثم / الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأضله الله على عِلْم، كما قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه: من كان منكم مُسْتَنَّا فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقال غيره: عليكم بآثار من سلف فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفى، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه.

ومن ذلك ما ذكره شيخ الحرمين أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي، في كتابه الذي سماه [الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول، إلزامًا لذوي البدع والفضول] ، وكان من أئمة الشافعية، ذكر فيه من كلام الشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري ـ صاحب الصحيح ـ / وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه في أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم.

وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام، وذكر أنه اقتصر في النقل عنهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقًا وغربًا إلى مذاهبهم؛ ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها، من جودة الحفظ والبصيرة، والفطنة والمعرفة بالكتاب، والسنة، والإجماع والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب، ومواضعها، والتاريخ، والناسخ، والمنسوخ، والمنقول، والمعقول، والصحيح، والمدخول في الصدق، والصلابة، وظهور الأمانة، والديانة، ممن سواهم.

قال: وإن قصر واحد منهم في سبب منها، جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم، فإن غيرهم من الأئمة ـ وإن كانوا في منصب الإمامة ـ لكن أخلَّوا ببعض ما أشرت إليه مجملًا من شرائطها؛ إذ ليس هذا موضعًا لبيانها.

قَالَ شَيْخُ الإسلاَم ـ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:

سأل سائل: بماذا يخاطب الناس يوم البعث؟ وهل يخاطبهم اللّه ـ تعالى ـ بلسان العرب؟ وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية , وأن لسان أهل الجنة العربية؟

فأجبته بعد [الحمد للّه رب العالمين] .

لا يعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذ , ولا بأي لغة يسمعون خطاب الرب جل وعلا؛ لأن اللّه ـ تعالى ـ لم يخبرنا بشىء من ذلك , ولا رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولم يصح أن الفارسية لغة الجهَنَّمِيِّين ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي , ولا نعلم نزاعًا في ذلك بين الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ بل كلهم يكفون عن ذلك؛ لأن الكلام في مثل هذا من فضول القول , ولا قال اللّه تعالى لأصحاب الثرى , ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين.

فقال ناس: يتخاطبون بالعربية.

وقال آخرون: إلا أهل النار , فإنهم يجيبون بالفارسية , وهي لغتهم في النار.

/ وقال آخرون: يتخاطبون بالسريانية؛ لأنها لغة آدم , وعنها تفرعت اللغات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت