الصفحة 144 من 575

وأما أبو بكر والخضر، فهذا يبني على نبوة الخضر. وأكثر العلماء على أنه ليس بنبي، وهو اختيار أبي علي بن أبي موسى وغيره من العلماء. فعلى هذا أبو بكر وعمر أفضل منه.

والقول الثاني: أنه نبي، واختاره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره. فعلى هذا هو أفضل من أبي بكر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وعيسى ابن مريم هما أفضل منه بالاتفاق، ومحمد في أول هذه الأمة وعيسى في آخرها.

/ وَسُئلَ ـ رَحمَهُ اللَّه ـ عن رجلين اختلفا. فقال أحدهما: أبو بكر الصديق، وعمر ابن الخطاب ـ رضي اللّه عنهما ـ أعلم، وأفقه من على بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه. وقال الآخر: بل على بن أبي طالب أعلم، وأفقه من أبي بكر وعمر، فأي القولين أصوب؟ وهل هذان الحديثان: وهما قوله صلى الله عليه وسلم: (أقْضَاكُم علي) ، وقوله: (أنا مدينة العلم، وعلي بابها) صحيحان؟ وإذا كانا صحيحين، فهل فيهما دليل أن عليا أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر ـ رضي اللّه عنهم أجمعين؟ وإذا ادعى مدع: أن إجماع المسلمين على أن عليا ـ رضي اللّه عنه ـ أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر ـ رضي اللّه عنهم أجمعين ـ يكون محقًا أو مخطئًا؟

فأَجَاب:

الحمد للّه، لم يقل أحد من علماء المسلمين المعتبرين: أن عليّا أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر، بل ولا من أبي بكر وحده. ومدعي الإجماع على ذلك من أجهل الناس، وأكذبهم بل ذكر غير واحد من العلماء إجماع العلماء على أن أبا بكر الصديق أعلم من علي: منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني، المروذي ـ أحد أئمة السنة من أصحاب الشافعي ـ ذكر في كتابه:] تقويم الأدلة على الإمام[/إجماع علماء السنة على أن أبا بكر أعلم من علي. وما علمت أحدًا من الأئمة المشهورين ينازع في ذلك.

وكيف وأبو بكر الصديق كان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يفتي، ويأمر، وينهى، ويقضي، ويخطب؟! كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو وأبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام، ولما هاجرا جميعًا، ويوم حنين، وغير ذلك من المشاهد والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت يقره على ذلك، ويرضى بما يقول، ولم تكن هذه المرتبة لغيره.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مشاورته لأهل العلم، والفقه، والرأي من أصحابه، يقدم في الشورى أبا بكر، وعمر. فهما اللذان يتقدمان في الكلام، والعلم بحضرة الرسول عليه السلام على سائر أصحابه، مثل قصة مشاورته في أسرى بدر، فأول من تكلم في ذلك أبو بكر، وعمر، وكذلك غير ذلك.

وقد روى في الحديث أنه قال لهما: (إذا اتفقتما على أمر لم أخالفكما) ولهذا كان قولهما حجة في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ـ وهذا بخلاف قول عثمان، وعلي.

وفي السنن عنه أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) . ولم يجعل هذا لغيرهما، بل ثبت عنه أنه قال: (عليكم بسُنَّتِي، وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومُحْدَثات /الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) فأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين. وهذا يتناول الأئمة الأربعة. وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء بهما. ومرتبة المقتدي به في أفعاله، وفيما سنه للمسلمين، فوق سنة المتبع فيما سنه فقط. وفي صحيح مسلم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معه في سفر فقال: (إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا) .

وقد ثبت عن ابن عباس: أنه كان يفتي من كتاب اللّه، فإن لم يجد فبما سنه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر وعمر؛ ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعلي. و [ابن عباس] حبر الأمة، وأعلم الصحابة، وأفقههم في زمانه، وهو يفتي بقول أبي بكر وعمر، مقدمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت