الصفحة 145 من 575

لقولهما على قول غيرهما من الصحابة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللّهم فقههُ في الدين وعَلمه التأويل) .

وأيضًا فأبو بكر وعمر، كان اختصاصهما بالنبي صلى الله عليه وسلم فوق اختصاص غيرهما. وأبو بكر كان أكثر اختصاصًا. فإنه كان يَسْمُرُ عنده عامة الليل يحدثه في العلم والدين، ومصالح المسلمين. كما روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عَلْقَمَة عن عمر قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه.

وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن أصحاب الصُّفَّة كانوا /ناسًا فقراء؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، أو بسادس) ، وأن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبي اللّه صلى الله عليه وسلم بعشرة؛ وأن أبا بكر تَعَشَّى عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع، فلبث حتى نَعَسَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء اللّه. قالت امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجىء. عرضوا عليهم العشاء فغلبوهم. وذكر الحديث. وفي رواية: (كان يتحدث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الليل) .

وفي سفر الهجرة لم يصحبه غير أبي بكر، ويوم بدر لم يبق معه في العريش غيره وقال: (إِنَّ أَمَنَّ الناس علينا في صُحْبَتِه وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا) . وهذا من أصح الأحاديث المستفيضة في الصحاح من وجوه كثيرة.

وفي الصحيحين عن أبي الدرداء قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما صاحبكم فقد غامر) فسلم، وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ، فأتيتك. فقال: (يغفر اللّه لك ثلاثًا) ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يَتَمَعَّر وغَضِب حتى /أشفق أبو بكر، وقال: أنا كنت أظلم يا رسول اللّه، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه بعثني إليكم، فقلتم: كذبت وقال: أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي) . فما أوذي بعدها. قال البخاري: غامر: سبق بالخير.

وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون، ويثنون، ويصلون عليه قبل أن يرفع؛ وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمَنْكِبي من ورائي، فالتفت فإذا هو على، وترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلى أن ألقي اللّه ـ عز وجل ـ بعمله منك، وايم اللّه، إن كنت لأظن أن يجعلك اللّه مع صاحبيك. وذلك أني كنت كثيرًا ما أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (جئت أنا وأبوبكر وعمر، ودخلت أنا وأبوبكر وعمر، وخرجت أنا وأبوبكر وعمر) ، فإن كنت أرجو، أو أظن أن يجعلك اللّه معهما.

وفي الصحيحين وغيرهما: أنه لما كان يوم أحد قال أبو سفيان ـ لما أصيب المسلمون: أفى القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لاتجيبوه) . فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجيبوه) . فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجيبوه) . فقال لأصحابه: أما هؤلاء فقد /كفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت عدو اللّه! إن الذين عددت لأحياء، وقد بقى لك ما يسوؤك. . . الحديث. فهذا أمير الكفار في تلك الحال إنما سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبى بكر وعمر دون غيرهم؛ لعلمه بأنهم رؤوس المسلمين: النبي ووزيراه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت