فهرس الكتاب
ولهذا سأل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فقال: منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته. وكثرة الاختصاص، والصحبة، مع كمال المودة، والائتلاف، والمحبة، والمشاركة في العلم والدين، تقتضى أنهما أحق بذلك من غيرهما. وهذا ظاهر بين لمن له خبرة بأحوال القوم.
أما الصِّدِّيق، فإنه مع قيامه بأمور من العلم والفقه عجز عنها غيره ـ حتى بينها لهم ـ لم يحفظ له قول مخالف نصًا. هذا يدل على غاية البراعة، وأما غيره فحفظت له أقوال كثيرة خالفت النص؛ لكون تلك النصوص لم تبلغهم.
والذي وجد من موافقة عمر للنصوص أكثر من موافقة علىّ، وهذا يعرفه من عَرَف مسائل العلم، وأقوال العلماء فيها. وذلك مثل: نفقة المتوفى عنها زوجها: فإن قول عمر هو الذي وافق النص، دون القول الآخر، وكذلك [مسألة الحرام] قول عمر، وغيره فيها، هو الأشبه بالنصوص من القول الآخر، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد كان في الأمم /قبلكم مُحَدَّثُون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر) . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رأيت كأني أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الرِّيَّ يخرج من أظفاري ثم ناولت فضلي عمر) فقالوا: ما أوَّلْتَه يا رسول اللّه؟ قال: (العلم) [مُحدَّثون: أي ملهمون. والملْهَم: هو الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدْسًا وفِراسة، وهو نوع يختص به الله عز وجل من يشاء من عباده] وفي الترمذي وغيره أنه قال: (لو لم أُبْعَثْ فيكم لبُعِثَ عمر) .
وأيضًا فإن الصِّدِّيقَ استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على [الصلاة] التي هي عمود الإسلام، وعلى إقامة [المناسك] التي ليس في مسائل العبادات أشكل منها، وأقام المناسك قبل أن يحج النبي صلى الله عليه وسلم. فنادى ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُرْيَان، فأردفه بعلي بن أبي طالب لينبذ العهد إلى المشركين، فلما لحقه قال: أمير، أو مأمور؟ قال: بل مأمور. فأمر أبا بكر على عليِّ بن أبي طالب، وكان علي ممن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمع ويطيع في الحج وأحكام المسافرين، وغير ذلك لأبي بكر، وكان هذا بعد غزوة تبوك التي استخلف عليًا فيها على المدينة، ولم يكن بقي بالمدينة من الرجال إلا منافق، أو معذور، أو مذنب، فلحقه على فقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: (أما ترضى أن تكون مِنِّي بمنزلة هارون من موسى؟) .
بين بذلك أن استخلاف علىٍّ على المدينة لا يقتضى نقص المرتبة؛ فإن موسى قد استخلف هارون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائما يستخلف رجالًا، لكن كان يكون بها رجال. وعام تبوك خرج النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين ولم يأذن لأحد في التخلف عن الغزاة؛ لأن العدو كان شديدًا، والسفر / بعيدًا، وفيها أنزل اللّه سورة براءة.
وكتاب أبي بكر في الصدقات أجمع الكتب وأوجزها؛ ولهذا عمل به عامة الفقهاء. وكتاب غيره فيه ما هو متقدم منسوخ، فدل ذلك على أنه أعلم بالسنة الناسخة. وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: وكان أبو بكر أعلمنا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا، فالصحابة في زمن أبي بكر لم يكونوا يتنازعون في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر وارتفع النزاع، فلا يعرف بينهم في زمانه مسألة واحدة تنازعوا فيها إلا ارتفع النزاع بينهم بسببه، كتنازعهم في وفاته صلى الله عليه وسلم، ومدفنه، وفي ميراثه، وفي تجهيز جيش أسامة، وقتال مانعي الزكاة، وغير ذلك من المسائل الكبار، بل كان خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيهم: يعلمهم، ويُقَوِّمهم، ويبين لهم ما تزول معه الشبهة، فلم يكونوا معه يختلفون.
وبعده لم يبلغ علم أحد وكماله علم أبي بكر وكماله؛ فصاروا يتنازعون في بعض المسائل. كما تنازعوا في الجدَّ والإخوة، وفي الحرام، وفي الطلاق الثلاث، وفي غير ذلك من المسائل