الصفحة 147 من 575

المعروفة مما لم يكونوا يتنازعون فيه على عهد أبي بكر، وكانوا يخالفون عمر، وعثمان، وعليًا في كثير من أقوالهم، ولم يعرف أنهم خالفوا أبا بكر في شيء مما كان يفتى فيه ويقضى. وهذا يدل على غاية العلم.

وقام مقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأقام الإسلام؛ فلم يخل بشيء منه، بل أدخل الناس من الباب الذي خرجوا منه مع كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم، وكثرة الخاذلين، فكمل به من علمهم ودينهم ما لا يقاومه فيه /أحد، حتى قام الدين كما كان. وكانوا يسمون أبا بكر خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. ثم بعد هذا سموا عمر وغيره أمير المؤمنين. قال السهيلي وغيره من العلماء: ظهر قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] في أبي بكر: في اللفظ، كما ظهر في المعنى فكانوا يقولون: محمد رسول اللّه وأبو بكر خليفة رسول اللّه، ثم انقطع هذا الاتصال اللفظي بموته، فلم يقولوا لمن بعده: خليفة رسول اللّه.

وأيضًا فعلي بن أبي طالب تعلَّم من أبي بكر بعض السنة؛ بخلاف أبي بكر، فإنه لم يتعلم من علي بن أبي طالب، كما في الحديث المشهور الذي في السنن حديث صلاة التوبة عن علي قال: كنت إذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ينفعني اللّه منه بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر ـ وصدق أبو بكر ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يذنب ذنبًا ثم يتوضأ ويُحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويستغفر اللّه، إلا غفر اللّه له) .

ومما يبين لك هذا أن أئمة علماء الكوفة: الذين صحبوا عمر وعليا كعلقمة، والأسود، وشُريْح القاضي، وغيرهم، كانوا يرجحون قول عمر على قول علي. وأما تابعو أهل المدينة ومكة والبصرة، فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يُذْكر، وإنما الكوفة ظهر فيها فقه على وعلمه بحسب مقامه فيها مدة خلافته.

وكل شيعة عليّ الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر /وعمر، لا في فقه، ولا علم، ولا غيرهما؛ بل كل شيعته، الذين قاتلوا معه عدوه، كانوا مع سائر المسلمين، يقدمون أبا بكر وعمر، إلا من كان عليّ ينكر عليه ويذمه، مع قلتهم في عهد عليّ وخمولهم، كانوا ثلاث طوائف:

طائفة غلت فيه، كالتي ادعت فيه الإلهية، وهؤلاء حرقهم علىّ بالنار.

وطائفة كانت تَسُبُّ أبا بكر، وكان رأسهم عبد اللّه بن سبأ، فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله، فهرب منه.

وطائفة كانت تُفَضِّلُه على أبي بكر وعمر، قال: لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. وقد روى عن علي من نحو ثمانين وجها وأكثر أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من رواية رجال هَمْدَان خاصة ـ التي يقول فيها علي:

ولو كنت بوابًا على باب جنة ** لقلت لهمدان ادخلي بسلام

من رواية سفيان الثوري عن مُنْذِر الثوري وكلاهما من همدان. رواه البخاري عن محمد بن كثير. قال: حدثنا سفيان الثوري حدثنا جامع بن شَدَّاد، حدثنا أبو يعلى منذر الثوري، عن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا بني، أو ما تعرف؟! فقلت: لا. فقال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.

/وهذا يقوله لابنه، الذي لا يتقيه، ولخاصته، ويتقدم بعقوبة من يفضله عليهما. والمتواضع لا يجوز له أن يتقدم بعقوبة كل من قال الحق، ولا يجوز أن يسميه مفتريًا. ورأس الفضائل العلم، وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم، فإنه أعلم منه، قال تعالى: هَلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت