الصفحة 154 من 575

أو حساب أو غير ذلك ـ أو من يكون قد سمع أحاديث مكذوبة تناقض هذه الأمور المعلومة بالاضطرار عند الخاصة من أهل العلم، فتوقف في الأمر، أو رجح غير أبي بكر.

وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها، كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم: في الصفات، والقدر، والعلو، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته، كما تواترت عندهم عنه، وإن كان غيرهم لا يعلم ذلك، كما تواتر عند الخاصة ـ من أهل العلم عنه ـ الحكم بالشُّفْعَة، وتحليف المدعى عليه، ورجم الزاني المحصن، واعتبار النِّصَاب في السرقة، وأمثال ذلك من الأحكام التي ينازعهم فيها بعض أهل البدع.

ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول، بخلاف من نازع في مسائل الاجتهاد التي لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن عنه، كالتنازع بينهم في الحكم بشاهد ويمين، وفي القَسامة، والقُرْعَة، وغير ذلك من الأمور التي لم تبلغ هذا المبلغ.

وأما عثمان، وعلىُّ، فهذه دون تلك، فإن هذه كان قد حصل فيها نزاع /فإن سفيان الثوري وطائفة من أهل الكوفة، رجحوا عليًًًًا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره. وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلى، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على عليٍّ، كما هو مذهب سائر الأئمة؛ كالشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام.

حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليًًًًا على عثمان، هل يعد من أهل البدعة؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. وقد قال أيوب السخْتيَانِيّ، وأحمد بن حنبل، والدارقطني: من قَدَّمَ عليًًًًا على عثمان فقد أزْرَى بالمهاجرين والأنصار. وأيوب هذا إمام أهل السنة، وإمام أهل البصرة، روى عنه مالك في الموطأ، وكان لا يروى عن أهل العراق. وروى أنه سئل عن الرواية عنه، فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. وذكره أبو حنيفة فقال: لقد رأيته قعد مقعدًا في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ما ذكرته إلا اقشعر جسمي.

والحجة لهذا ما أخرجاه في الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر؛ أنه قال: كنا نفاضل على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. كنا نقول أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وفي بعض الطرق يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره.

وأيضًا، فقد ثبت بالنقل الصحيح ـ في صحيح البخاري وغير البخاري ـ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جعل الخلافة شوري في ستة أنفس؛ عثمان، وعلى، /وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف ـ ولم يدخل معهم سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وكان من بني عدي ـ قبيلة عمرـ وقال عن ابنه عبد اللّه: يحضركم عبد اللّه وليس له في الأمر شىء ووصى أن يصلي صهيب بعد موته، حتى يتفقوا على واحد.

فلما توفى عمر واجتمعوا عند المنبر، قال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعلي. وقال سعد: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف. فخرج ثلاثة وبقى ثلاثة. فاجتمعوا، فقال عبد الرحمن بن عوف: يخرج منا واحد، ويولي واحدًا، فسكت عثمان، وعلى. فقال عبد الرحمن: أنا أخرج. وروى أنه قال: عليه عهد اللّه وميثاقه أن يولي أفضلهما. ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصارـ فإنهم كانوا في المدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته ـ حتى قال عبد الرحمن بن عوف: إن لي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت