فهرس الكتاب
ثلاثًًًًا ما اغتمضت بنوم. فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان: عليك عهد اللّه وميثاقه، إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عليًًًًا لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. وقال لعلي: عليك عهد اللّه وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. فقال: إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان، فبايعه على، وعبد الرحمن، وسائر المسلمين؛ بيعة رضًا، واختيار من غير رغبة أعطاهم إياها، ولا رهبة خوفهم بها.
/وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي. فلهذا قال أيوب، وأحمد بن حنبل، والدارقطني: من قدم عليًًًًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، فإنه وإن لم يكن عثمان أحق بالتقديم، وقد قدموه، كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني. ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم.
ولو زعم زاعم أنهم قدموا عثمان ِلضِغْنٍ كان في نفس بعضهم على عليٍّ، وأن أهل الضغن كانوا ذوي شوكة، ونحو ذلك مما يقوله أهل الأهواء، فقد نسبهم إلى العجز عن القيام بالحق، وظهور أهل الباطل منهم على أهل الحق. هذا وهم في أعز ما كانوا، وأقوي ما كانوا، فإنه حين مات عمر كان الإسلام من القوة، والعز، والظهور، والاجتماع والائتلاف فيما لم يصيروا في مثله قط. وكان عمر أعَزَّ أهل الإيمان، وأذل أهل الكفر والنفاق: إلى حد بلغ في القوة والظهور مبلغًًًًا، لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأمور.
فمن جعلهم في مثل هذه الحال جاهلين أو ظالمين أو عاجزين عن الحق فقد أزرى بهم، وجعل خير أمة أخرجت للناس على خلاف ما شهد اللّه به لهم.
وهذا هو أصل مذهب الرافضة، فإن الذي ابتدع الرفض كان يهوديًا أظهر الإسلام نفاقًًًًا، ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان؛ ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة. فإنه يكون الرجل واقفًًًًا، ثم يصير / مُفَضِّلًًًًا، ثم يصير سَبَّابًا، ثم يصير غاليا، ثم يصير جاحدًًًًا مُعَطِّلًًًًا؛ ولهذا انضمت إلى الرافضة أئمة الزنادقة من الإسماعيلية والنصيرية، وأنواعهم من القرامطة والباطنية، والدرزية، وأمثالهم من طوائف الزندقة، والنفاق.
فإن القَدْح في خير القرون ـ الذين صحبوا الرسول ـ قَدْحٌ في الرسول ـ عليه السلام ـ كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًًًًا صالحًًًًا لكان أصحابه صالحين.
وأيضًا، فهؤلاء الذين نقلوا القرآن، والإسلام، وشرائع النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين نقلوا فضائل علي وغيره فالقدح فيهم يوجب ألا يوثق بما نقلوه من الدين، وحينئذ فلا تثبت فضيلة، لا لعلي، ولا لغيره. والرافضة جهال ليس لهم عقل، ولا نقل ولا دين، ولا دنيا منصورة. فإنه لو طلب منهم الناصبي ـ الذي يبغض عليًا، ويعتقد فسقه أو كفره: كالخوارج وغيرهم ـ أن يثبتوا إيمان علي؛ وفضله: لم يقدروا على ذلك، بل تغلبهم الخوارج. فإن فضائل على إنما نقلها الصحابة الذين تقدح فيهم الرافضة. فلا يتيقن له فضيلة معلومة على أصلهم، فإذا طعنوا في بعض الخلفاء ـ بما يفترونه عليهم من أنهم طلبوا الرياسة، وقاتلوا على ذلك ـ كان طعن الخوارج في علي بمثل ذلك وأضعافه أقرب من دعوى ذلك على من أطيع بلا قتال، ولكن الرافضة جهال متبعون الزنادقة.
/والقرآن قد أثنى على الصحابة في غير موضع، كقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] ،