الصفحة 173 من 575

بل أبلغ من هذا أنه ـ وللّه الحمد ـ لم يكن من الخلفاء الذين لهم ولاية عامة ـ من خلفاء بني أمية، وبني العباس ـ أحد يتهم بالزندقة والنفاق، وبنو أمية لم ينسب أحد منهم إلى الزندقة والنفاق ـ وإن كان قد ينسب الرجل منهم إلى نوع من البدعة، أو نوع من الظلم، لكن لم ينسب أحد منهم من أهل العلم إلى زندقة ونفاق.

/وإنما كان المعروفون بالزندقة والنفاق بني عبيد القداح، الذين كانوا بمصر والمغرب، وكانوا يدعون أنهم علويون، وإنما كانوا من ذرية الكفار، فهؤلاء قد اتفق أهل العلم على رميهم بالزندقة والنفاق، وكذلك رمي بالزندقة والنفاق قوم من ملوك النواحي الخلفاء من بني بويه وغير بني بويه، فأما خليفة عام الولاية في الإسلام، فقد طهر اللّه المسلمين أن يكون ولي أمرهم زنديقًا منافقًا، فهذا مما ينبغي أن يعلم ويعرف، فإنه نافع في هذا الباب.

واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكًا ورحمة، كما جاء في الحديث: (يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عَضُوض) [وملك عَضُوض أي: يصيب الرَّعية فيه عسف وظلم] وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين، ما يعلم أنه كان خيرًا من ملك غيره.

وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة، ثم تصير ملكًا) . وكان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ـ رضي اللّه عنهم ـ هم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء/ الراشدين من بعدي، تَمَسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) .

وقد تنازع كثير من الناس في خلافة عليّ، وقالوا: زمانه زمان فتنة، لم يكن في زمانه جماعة، وقالت طائفة: يصح أن يولي خليفتان، فهو خليفة، ومعاوية خليفة، لأن الأمة لم تتفق عليه، ولم تنتظم في خلافته.

والصحيح الذي عليه الأئمة: أن عليًا ـ رضي اللّه عنه ـ من الخلفاء الراشدين، بهذا الحديث، فزمان علي كان يسمى نفسه أمير المؤمنين، والصحابة تسميه بذلك، قال الإمام أحمد بن حنبل: من لم يُرَبِّع بعليّ ـ رضي اللّه عنه ـ في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، ومع هذا فلكل خليفة مرتبة.

فأبو بكر وعمر لا يوازنهما أحد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) ، ولم يكن نزاع بين شيعة علي الذين صحبوه في تقديم أبي بكر وعمر، وثبت عن علي من وجوه كثيرة أنه قال: لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلاجلدته حد المفترى.

وإنما كانوا يتنازعون في عثمان وعلي ـ رضي اللّه عنهما ـ لكن ثبت تقديم عثمان على عليٍّ، باتفاق السابقين على مبايعة عثمان طوعًا بلا كره، بعد أن جعل عمر الشورى في ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، /وعبد الرحمن بن عوف. وتركها ثلاثة وهم: طلحة، والزبير، وسعد، فبقيت في ثلاثة: عثمان، وعليّ، وعبد الرحمن فولى أحدهما، فبقى عبد الرحمن يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثلاثة أيام، ثم أخبر أنهم لم يعدلوا بعثمان.

ونقل وفاته وولايته حديث طويل، فمن أراده فعليه بأحاديث الثقات، واللّه أعلم. وصلى اللّه على نبينا محمد وسلم.

/قال شيخ الإسْلام ـ رَحِمَه اللّه:

فَصْل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت