فهرس الكتاب
حسنات عظيمة يرجى له بها المغفرة مع ظلمه، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه /قال: (أول جيش يغزو قسطنطينية مغفور له) ، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية، وكان معه في الغُزَاة أبو أيوب الأنصاري، وتوفى هناك، وقبره هناك إلى الآن).
ولهذا كان المقتصدون من أئمة السلف يقولون في يزيد وأمثاله: إنا لا نسبهم ولا نحبهم، أي: لا نحب ما صدر منهم من ظلم. والشخص الواحد يجتمع فيه حسنات وسيئات، وطاعات ومعاصي، وبر وفجور وشر، فيثيبه اللّه على حسناته، ويعاقبه على سيئاته إن شاء أو يغفر له، ويحب ما فعله من الخير، ويبغض ما فعله من الشر.
فأما من كانت سيئاته صغائر، فقد وافقت المعتزلة على أن اللّه يغفرها.
وأما صاحب الكبيرة، فسلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة لا يشهدون له بالنار، بل يجوزون أن اللّه يغفر له، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48] ، فهذه في حق من لم يشرك، فإنه قيدها بالمشيئة، وأما قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 35] ، فهذا في حق من تاب، ولذلك أطلق وعم.
والخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة يُخَلَّد في النار، ثم إنهم / قد يتوهمون في بعض الأخيار أنه من أهل الكبائر، كما تتوهم الخوارج في عثمان وعلى وأتباعهما أنهم مخلدون في النار، كما يتوهم بعض ذلك في مثل معاوية وعمرو بن العاص، وأمثالهما، ويبنون مذاهبهم على مقدمتين باطلتين:
إحداهما: أن فلانًا من أهل الكبائر.
والثانية: أن كل صاحب كبيرة يخلد في النار.
وكلا القولين باطل. وأما الثاني فباطل على الإطلاق، وأما الأول فقد يعلم بطلانه، وقد يتوقف فيه.
ومن قال عن معاوية وأمثاله، ممن ظهر إسلامه وصلاته، وحجه وصيامه ـ أنه لم يسلم، وأنه كان مقيمًا على الكفر: فهو بمنزلة من يقول ذلك في غيره، كما لو ادعى مدع ذلك في العباس، وجعفر، وعقيل، وفي أبي بكر، وعمر، وعثمان. وكما لو ادعى أن الحسن والحسين ليسا ولدي عليّ بن أبي طالب، إنما هما أولاد سلمان الفارسي، ولو ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج ابْنَتَيْ أبي بكر وعمر، ولم يزوج بنتيه عثمان، بل إنكار إسلام معاوية أقبح من إنكار هذه الأمور، فإن منها ما لا يعرفه إلا العلماء.
وأما إسلام معاوية وولايته على المسلمين والإمارة والخلافة، فأمر يعرفه جماهير الخلق، ولو أنكر منكر إسلام عليّ أو ادعى بقاءه على الكفر، لم يحتج /عليه إلا بمثل ما يحتج به على من أنكر إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان ومعاوية وغيرهم، وإن كان بعضهم أفضل من بعض، فتفاضلهم لا يمنع اشتراكهم في ظهور إسلامهم.
وأما قول القائل: إيمان معاوية كان نفاقًا فهو ـ أيضا ـ من الكذب المختلق، فإنه ليس في علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق، بل العلماء متفقون على حسن إسلامه، وقد توقف بعضهم في حسن إسلام أبي سفيان ـ أبيه ـ وأما معاوية، وأخوه يزيد، فلم يتنازعوا في حسن إسلامهما، كما لم يتنازعوا في حسن إسلام عكرمة بن أبي جهل، وسُهَيْل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وأمثالهم من مسلمة الفتح، وكيف يكون رجلًا متوليًا على المسلمين أربعين سنة نائبًا، ومستقلًا يصلي بهم الصلوات الخمس ويخطب ويعظهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيم فيهم الحدود، ويقسم بينهم فيْأهم ومغانمهم وصدقاتهم، ويحج بهم، ومع هذا يخفى نفاقه عليهم كلهم وفيهم من أعيان الصحابة جماعة كثيرة!