فهرس الكتاب
الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يعلم فساده يقيمونه، فهم كما قال فيهم الشعبي- وكان من أعلم الناس بهم ـ: لو كانوا من البهائم لكانوا حمرًا، ولو كانوا من الطير لكانوا رَخَمًا.
ولهذا كانوا أبْهَت الناس وأشدهم فِريَة، مثل ما يذكرون عن معاوية، فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمَّره النبي صلى الله عليه وسلم كما أمَّر غيره، وجاهد معه، وكان أمينًا عنده يكتب له الوحي، وما اتهمه النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي. وولاه عمر بن الخطاب: الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب اللّه الحق على لسانه وقلبه، ولم يتهمه في ولايته.
وقد ولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أباه أبا سفيان إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ولايته. فمعاوية خير من أبيه وأحسن إسلامًا من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى، ولم يكن من أهل الردة قط، ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة، فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة هم الذين ينسبون أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعامة أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى ما لا يليق بهم.
/والذين نسبوا هؤلاء إلى الردة يقول بعضهم: إنه مات ووجهه إلى الشرق والصليب على وجهه، وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه. ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية من ملوك بني أمية وبني العباس؛ كعبد الملك بن مروان وأولاده، وأبى جعفر المنصور وولديه ـ الملقبين بالمهدي، والهادي والرشيد، وأمثالهم من الذين تولوا الخلافة وأمر المؤمنين، فمن نسب واحدًا من هؤلاء إلى الردة، وإلى أنه مات على دين النصارى، لَعَلِم كل عاقل أنه من أعظم الناس فرية، فكيف يقال مثل هذا في معاوية وأمثاله من الصحابة.
بل يزيد ابنه، مع ما أحدث من الأحداث، من قال فيه: إنه كافر مرتد، فقد افترى عليه، بل كان ملكًا من ملوك المسلمين كسائر ملوك المسلمين، وأكثر الملوك لهم حسنات ولهم سيئات، وحسناتهم عظيمة، وسيئاتهم عظيمة، فالطاعن في واحد منهم دون نظرائه إما جاهل، وإما ظالم.
وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين، منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته، ومنهم من قد تاب من سيئاته، ومنهم من كفر اللّه عنه، ومنهم من قد يدخله الجنة، ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته، ومنهم من قد يتقبل اللّه فيه شفاعة نبي أو غيره من الشفعاء، فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من أقوال أهل البدع والضلال.
/وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه، ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن اللّه الخمرة، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، وساقيها، وشاربها، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها) . وصح عنه أنه كان على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجل يكثر شربها يدعى [حمارًا] ، وكان كلما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم جلده، فأتى به إليه ليجلده، فقال رجل: لعنه اللّه! ما أكثر ما يؤتى به النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه، فإنه يحب اللّه ورسوله) . وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر عمومًا، ونهى عن لعنة المؤمن المعين.
كما أنا نقول ما قال اللّه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] فلا ينبغي لأحد أن يشهد لواحد بعينه أنه في النار، لإمكان أن يتوب أو يغفر له اللّه بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو يعفو اللّه عنه، أو غير ذلك.
فهكذا الواحد من الملوك أو غير الملوك، وإن كان صدر منه ما هو ظلم، فإن ذلك لا يوجب أن نلعنه ونشهد له بالنار. ومن دخل في ذلك كان من أهل البدع والضلال، فكيف إذا كان للرجل