فهرس الكتاب
ويزعم قائل هذا: أن اللّه صليب، وأن كل حرف من الجلالة على رأس خط من خطوط الصليب، ويقرر للناس أن اليهود والنصارى على حق، وكذلك المجوس وغيرهم!!
فأَجَابَ ـ رحمه اللّه تعالى:
أما هذا الجاهل فهو شبيه في جهله بالرافضة، الذين يكذبون، وخرافاتهم التي لا تروج إلا على جاهل لا يعرف أصول الإسلام، كالذين ذكروا في هذا السؤال.
وقيل: إنهم يقولون: إن الدين فسد من حين أخذت الخلافة من علي، وذلك / من حين موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الخلفاء الراشدين لم يكونوا أهلًا للولاية، وأن عقود المسلمين باطلة، وأن اللّه صليب، ويقرر دين اليهود والنصارى والمجوس، فإن هذا زنديق من شر الزنادقة، من جنس قرامطة الباطنية، كالنصيرية والإسماعيلية وأتباعهم.
ولهذا يتكلم بالتناقض، فإن من يقرر دين اليهود والنصارى والمجوس، ويطعن في دين الخلفاء الراشدين المهديين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لا يكون إلا من أجهل الناس وأكفرهم، ولو كان من المؤمنين، الذين يعلمون أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأن خير الأمة القرن الأول، ثم الذين يلونه ثم الذين يلونه؛ لما كان مقررًا لدين الكفار، طاعنًا في دين المهاجرين والأنصار، والرد على هذا ونحوه مبسوط في غير هذا الموضع.
وقد ذكرنا في ذلك في الرد على الرافضة ما لا يتسع له هذا الموضع.
ومثل هذا القول لا يقوله من يؤمن بأن محمدًا رسول اللّه، فنجيب من يقر أن محمدًا رسول اللّه، فنبين له مما جاء به ما يزيل شبهته، فأما من يطعن في نبوته، فنكلمه من وجه آخر، ولكل مقام مقال.
سُئلَ ـ رَحمَهُ اللَّه ـ:
هل يصح عند أهل العلم: أن عليًا ـ رضي اللّه عنه ـ قاتل الجن في البئر؟ ومدَّ يده يوم خيبر، فعبر العسكر عليها؟ وأنه حمل في الأحزاب فافترقت قدامه سبع عشرة فرقة؟ وخلف كل فرقة رجل يضرب بالسيف يقول: أنا علي؟ وأنه كان له سيف يقال له: ذو الفقار، وكان يمتد ويقصر، وإنه ضرب به مرحبًا وكان على رأسه جُرْن من رخام فقصم له ولفرسه بضربة واحدة، ونزلت الضربة في الأرض، ومناد ينادي في الهواء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا عليّ؟ وأنه رمي في المنجنيق إلى حصن الغراب؟ وأنه بعث إلى كل نبي سرًا، وبعث مع النبي صلى الله عليه وسلم جهرًا؟ وأنه كان يحمل في خمسين ألفًا، وفي عشرين ألفًا، وفي ثلاثين ألفًا وحده؟ وأنه لما برز إليه مرحب من خيبر ضربه ضربة واحدة فَقَدَّه [أي: قطعة] طولًا، وقد الفرس عرضًا، ونزل السيف في الأرض ذراعين أو ثلاثة؟ وأنه مسك حلقة باب خيبر وهزها فاهتزت المدينة، ووقع من على السور شرفات، فهل صح من ذلك شىء؟!
فَأَجَاب:
الحمد للّه، هذه الأمور المذكورة كذب مُخْتَلَقٌ باتفاق أهل العلم والإيمان، /لم يقاتل عليّ ولا غيره من الصحابة الجن، ولا قاتل الجنَّ أحدٌ من الإنس، لا في بئر ذات العلم ولا غيرها.
والحديث المروي في قتاله للجن موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة، ولم يقاتل عليّ قط على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لعسكر كان خمسين ألفًا أو ثلاثين ألفًا، فضلا عن أن يكون وحده قد حمل فيهم، ومغازيه التي شهدها مع رسول اللّه وقاتل فيها كانت تسعة: بدرًا، وأحدًا، والخندق، وخيبر، وفتح مكة، ويوم حنين، وغيرها.