الصفحة 190 من 575

وليس سَب بعض الصحابة بأعظم من سب الأنبياء؛ أو سب اللّه ـ تعالى ـ و اليهود والنصارى الذين يسبون نبينا سرًا بينهم إذا تابوا وأسلموا قُبِلَ ذلك منهم باتفاق المسلمين، والحديث الذي يروى: (سَبُّ صحابتي ذَنْبٌ لا يُغْفَر) ، كذب على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والشرك الذي لا يغفره اللّه، يغفره /لمن تاب باتفاق المسلمين، وما يقال: إن في ذلك حقًا لآدمي يجاب عنه من وجهين:

أحدهما: أن اللّه قد أمر بتوبة السارق و الملَقِّب ونحوهما من الذنوب التي تعلق بها حقوق العباد، كقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 38، 39]

وقال: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] ، ومن توبة مثل هذا أن يعوض المظلوم من الإحسان إليه بقدر إساءته إليه.

الوجه الثاني: أن هؤلاء متأولون، فإذا تاب الرافضي من ذلك، واعتقد فضل الصحابة، وأحبهم، ودعا لهم، فقد بَدَّل اللّه السيئة بالحسنة، كغيره من المذنبين.

وَسُئلَ عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد، ومنهم من إذا قرئ عليه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي يكون راويها عبد اللّه بن مسعود، أو قيل له: هذا مذهب عبد اللّه ابن مسعود شرع في تنقيصه، وأخذ يقدح فيه، ويجعله ضعيف الرواية، ويزعم أنه كان بين الصحابة منقوصا، حتى إن بعضهم لم يثبت في المصاحف قراءته، وأنه كان يحذف من القرآن المعوذتين؟

فَأَجَابَ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ:

ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ من أجلاء الصحابة، وأكابرهم، حتى كان يقول فيه عمر بن الخطاب: كُنَيْف [كُنَيْف: هو تصغير تعظيم للكِنْف. والكِنْف: الوِعَاء] مُلِئ علمًا. وقال أبوموسى: ما كنا نعد عبد اللّه بن مسعود إلا من أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ من كثرة ما نرى دخوله وخروجه. وقال له صلى الله عليه وسلم: (إذْنُكَ علي أن تَرْفَعَ الحِجَاب، وأن تسمع بسِوَادي حتى أنهاك) . وفي السنن: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، وتمسَّكوا بِهَدْي ابن أم ِّعَبْدٍ) .

وفي الصحيح: (من سره أن يقرأ القرآن غَضّا كما أنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عَبْد) ، ولما فتح العراق بعثه عليهم ليعلمهم الكتاب والسنة، فهو أعلم الصحابة /الذين بعثهم إلى العراق، وقال فيه أبو موسى: لا تسألوني عن شىء ما دام هذا الحبر فيكم. وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أن أحدًا أعلم بكتاب اللّه مني تبلغه الإبل لأتيته.

وهو أحد الثلاثة الذين سماهم معاذ بن جبل عند موته لما بكى مالك بن يُخَامِر السَّكْسَكِي، فقال له معاذ بن جبل: ما يبكيك؟ فقال: واللّه ما أبكي على رحم بيني وبينك، ولا على دنيا أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة فإن أعياك هؤلاء؛ فسائر أهل الأرض أعجز، فسَمَّى له ابن مسعود، و أبيّ بن كعب، وعبد اللّه بن سلام وأظن الرابع أبا الدرداء.

وسئل علي عن علماء الناس، فقال: واحد بالعراق ابن مسعود. وابن مسعود في العلم من طبقة عمر، وعلي، وأبي، ومعاذ، وهو من الطبقة الأولى من علماء الصحابة، فمن قدح فيه أو قال: هو ضعيف الرواية فهو من جنس الرافضة الذين يقدحون في أبي بكر وعمر وعثمان، وذلك يدل على إفراط جهله بالصحابة، أو زندقته ونفاقه.

سُئلَ ـ رَحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ عن رجل يناظر مع آخر في [مسألة المصراة] ، وردها إذا أراد المشتري، فاستدل من ادعى جواز الرد بحديث أبي هريرة المتفق عليه، فعارضه الخصم بأن قال: أبو هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة، وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب كثرة الرواية، ونهاه عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت