فهرس الكتاب
الحديث، وقال: إن عدت تحدث فعلت وفعلت، وكذا أنكر عليه ابن عباس، وعائشة أشياء. فهل ما ذكره الخصم صحيح أم لا؟ وما يجب على من تكلم في أبي هريرة بهذا الكلام؟
فَأَجَاب:
الحمد للّه. هذا الراد مخطئ من وجوه:
أحدها: قوله: [إنه لم يكن من فقهاء الصحابة] فإن عمر بن الخطاب ولى أبا هريرة على البحرين، وهم خيار المسلمين، الذين هاجر وَفْدُهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهم وفد عبد القيس.
وكان أبو هريرة ـ أميرهم ـ هو الذي يفتيهم بدقيق الفقه، مثل: مسألة/ المطلقة دون الثلاث، إذا تزوجت زوجًا أصابها، هل تعود إلى الأول على الثلاث ـ كما هو قول ابن عباس وابن عمر، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن عمر، بناء على أن إصابة الزوج تهدم ما دون الثلاث كما هدمت الثلاث ـ أو تعود على ما بقى كما هو قول عمر وغيره من أكابر الصحابة وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، بناء على أن إصابة الزوج الثاني إنما هي غاية التحريم الثابت بالطلاق الثلاث، فهو الذي يرتفع بها، والمطلقة دون الثلاث لم تحرم، فلا ترفع الإصابة منها شيئًا، فأفتى أبو هريرة بهذا القول. ثم سأل عمر فأقره على ذلك وقال: لو أفتيتَ بغيره لأوجعتك ضربًا.
وكذلك أفتى أبوهريرة في دقائق مسائل الفقه مع فقهاء الصحابة، كابن عباس وغيره من أشهر الأمور، وأقواله المنقولة في فتاويه تدل على ذلك. وإذا كان عمر وعلى أفقه من عمران بن حُصَين، وأبي موسى الأشعري، لم يخرجا بذلك من الفقه، وكذلك إذا كان معاذ وابن مسعود ونحوهما أفقه من أبي هريرة وعبد اللّه بن عمر ونحوهما، لم يخرجا بذلك من الفقه.
الثاني: أن يقال لهذا المعترض: جميع علماء الأمة عملت بحديث أبي هريرة فيما يخالف القياس والظاهر، كما عملوا جميعهم بحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) . وعمل أبو حنيفة /مع الشافعي وأحمد وغيرهما بحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أكل أو شرب ناسيًا فلْيُتِمَّ صَوْمَه، فإنما أطعمه اللّه وسَقَاه) مع أن القياس عند أبي حنيفة أنه يفطر، فترك القياس لحديث أبي هريرة، ونظائر ذلك تطول.
ومالك مع الشافعي وأحمد عملوا بحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، مع أن القياس عند مالك أنه لا يغسل؛ لأنه طاهر عنده، بل الأئمة يتركون القياس لما هو دون حديث أبي هريرة، كما ترك أبو حنيفة القياس في مسألة [القهقهة] بحديث مرسل لا يعرف من رواه من الصحابة وحديث أبي هريرة أثبت منه باتفاق الأمة.
الثالث: أن يقال: المحدث إذا حفظ اللفظ الذي سمعه لم يضره ألا يكون فقيها، كالملقنين بحروف القرآن، وألفاظ التشهد والأذان ونحو ذلك. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (نَضَّر اللّه امرأ سمع حديثًا فبَلَّغَه إلى من لم يسمعه، فَرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ، وهذا بين في أنه يؤخذ حديثه الذي فيه الفقه من حامله، الذي ليس بفقيه، ويأخذ عمن هو دونه في الفقه، وإنما يحتاج في الرواية إلى الفقه إذا كان قد روى بالمعنى، فخاف أن غير الفقيه يغير المعنى وهو لا يدري.
و أبو هريرة كان من أحفظ الأمة، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ قال: فلم أنْسَ شيئًا سمعته بعد؛ ولهذا روى حديث المُصَرَّاة [المُصَرَّاة: الناقة أو البقرة أو الشاة يُجمع اللبن في ضَرْعها ويُحبس قبل بيعها بأيام، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأنه خداع وغش] وغيره بلفظ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.