الصفحة 203 من 575

والكتاب والسنة يصدق بعضه بعضًا؛ والسلف خير هذه الأمة وطريقهم أفضل الطرق.

والقرآن كله حق ليس فيه إضلال، ولا دل على كفر ومحال، بل هو الشفاء والهدى

والنور. وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة، فقولهم مؤتلف غير مختلف، ومقبول غير مردود.

/وإن كان الذي يحبه اللّه منا ألا نثبت ولا ننفي، بل نبقى في الجهل البسيط، وفي ظلمات بعضها فوق بعض، لا نعرف الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال، ولا الصدق من الكذب، بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين الحيارى {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء} [النساء: 143] ، لا مصدقين ولا مكذبين، لزم من ذلك أن يكون اللَّه يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم العلم بما يستحقه اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ من الصفات التامات، وعدم العلم بالحق من الباطل، ويحب منا الحيرة والشك.

ومن المعلوم أن اللَّه لا يحب الجهل، ولا الشك، ولا الحيرة، ولا الضلال، وإنما يحب الدين والعلم واليقين.

وقد ذم [الحيرة] بقوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 71، 72] .

وقد أمرنا اللّه تعالى أن نقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7] .

وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم /كان إذا قام من الليل يصلي يقول: (اللّهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل؛ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) .

فهو صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب اللّه عدم الهدى في مسائل الخلاف؟ وقد قال اللّه تعالى له: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .

ولهذا كان قول من قال: [إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا اللّه] حقًا، وقول من قال: [إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله] حقًا. وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

فالذين قالوا: إنهم يعلمون تأويله، مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ومعناه، وإلا فهل يحل لمسلم أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف معنى ما يقوله ويبلغه من الآيات والأحاديث؟! بل كان يتكلم بألفاظ لها معان لا يعرف معانيها؟!

ومن قال: إنهم لا يعرفون تأويله، أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص / اللّه بعلمها؛ ولهذا كان السلف ـ كربيعة، ومالك بن أنس وغيرهما ـ يقولون: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وهذا قول سائر السلف ـ كابن الماجشون، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم. وفي غير ذلك من الصفات. فمعنى الاستواء معلوم، وهو التأويل والتفسير الذي يعلمه الراسخون، والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم، الذي لا يعلمه إلا اللّه ـ سبحانه وتعالى.

وكذلك ما وعد به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر اللّه به، وأما كيفيته فقد قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت