الصفحة 202 من 575

أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول/ المراد، وهم قادرون على سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وسؤال بعضهم بعضًا.

وقد سألوه عما هو دون هذا؛ سألوه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم، وسأله أبو رَزِين: أيضحك ربنا؟ فقال: (نعم) . فقال: (لن نعدم من رب يضحك خيرًا) .

ثم إنهم لما سألوه عن [الرؤية] قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي.

والنفاة لا يقولون: يرى كما ترى الشمس والقمر، بل قولهم الحقيقي أنه لا يرى بحال، ومن قال: يرى، موافقة لأهل الإثبات ومنافقة لهم، فسَّر الرؤية بمزيد علم، فلا تكون كرؤية الشمس والقمر.

والمقصود هنا أنهم لابد أن يسألوه عن ربهم الذي يعبدونه، وإذا سألوه فلابد أن يجيبهم. ومن المعلوم بالاضطرار أن ما تقوله الجهمية النفاة لم ينقل عن أحد من أهل التبليغ عنه، وإنما نقلوا عنه ما يوافق قول أهل الإثبات.

الوجه الرابع: أن يقال: إما أن يكون اللَّه يحب منا أن نعتقد قول النفاة، أو نعتقد قول أهل الإثبات، أو لا نعتقد واحدًا منهما. فإن كان مطلوبه منا اعتقاد قول النفاة: وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ وأنه ليس فوق/ السموات رب، ولا على العرش إله، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يعرج به إلى اللَّه، وإنما عرج به إلى السموات فقط لا إلى اللَّه، وأن الملائكة لا تعرج إلى اللَّه بل إلى ملكوته، وأن اللَّه لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، وأمثال ذلك.

وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام، كقولهم ليس بمتحيز ولا جسم، ولا جوهر، ولا هو في جهة، ولا مكان، وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب ـ تعالى ـ عن النقائص، ومقصدهم بها أنه ليس فوق السموات رب؛ ولا على العرش إله يعبد ولا عرج بالرسول إلى اللّه.

والمقصود: أنه إن كان الذي يحبه اللَّه لنا أن نعتقد هذا النفي، فالصحابة والتابعون أفضل منا، فقد كانوا يعتقدون هذا النفي، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعتقده، وإذا كان اللّه ورسوله يرضاه لنا وهو إما واجب علينا أو مستحب لنا، فلابد أن يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو واجب علينا، ويندبنا إلى ماهو مستحب لنا، ولابد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات لمحبوب اللّه ومرضيه وما يقرب إليه، لاسيما مع قوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، لا سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين، وهو عندهم التوحيد الذي لا يخالفه إلا شقي، فكيف لا يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أمته التوحيد؟ وكيف لا يكون [التوحيد] معروفًا عند الصحابة والتابعين؟! والفلاسفة والمعتزلة ومن اتبعهم يسمون مذهب / النفاة التوحيد، وقد سمى صاحب المرشدة أصحابه الموحدين؛ إذ عندهم مذهب النفاة هو التوحيد.

وإذا كان كذلك، كان من المعلوم أنه لابد أن يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة.

فعلم أنه ليس بواجب ولا مستحب، بل علم أنه ليس من التوحيد الذي شرعه اللَّه ـ تعالى ـ لعباده.

وإن كان يحب منا مذهب الإثبات، وهو الذي أمرنا به، فلابد ـ أيضًا ـ أن يبين ذلك لنا. ومعلوم أن في الكتاب والسنة من إثبات العلو والصفات أعظم مما فيهما من إثبات الوضوء والتيمم، والصيام، وتحريم ذوات المحارم، وخبيث المطاعم، ونحو ذلك من الشرائع.

فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملًا، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغًا مبينًا، والتوحيد عن السلف مشهورًا معروفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت