فهرس الكتاب
والفرائض والطلاق ونحو ذلك ـ لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذًا عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وجملها منقولة عنه بالتواتر.
وقد تبين أن اللَّه ـ تعالى ـ أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات اللَّه والحكمة.
/ وقد قال غير واحد من السلف: إن [الحكمة] هي السنة؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) .
فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه، سواء قيل: إنه في القرآن، ولم نفهمه نحن، أو قيل: ليس في القرآن، كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون، والذين اتبعوهم بإحسان، فعلينا أن نتبعهم فيه، سواء قيل: إنه كان منصوصًا في السنة ولم يبلغنا ذلك، أو قيل: إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة.
وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين، فلا يحصيها إلا اللَّه ـ تعالى.
فلا يخلو، إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو اللَّه نفسه على خلقه هو الحق، أو الحق نقيضه؛ إذ الحق لا يخرج عن النقيضين، وإما أن يكون نفسه فوق الخلق، أو لا يكون فوق الخلق ـ كما تقول الجهمية.
ثم تارة يقولون: لا فوقهم ولا فيهم، ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا محايث. وتارة يقولون: هو بذاته في كل مكان، وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه فوق خلقه.
فإما أن يكون الحق إثبات ذلك، أو نفيه، فإن كان نفي ذلك هو الحق، فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا قط ـ لا نصًا ولا ظاهرًا ـ ولا الرسول، ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ لا أئمة المذاهب الأربعة، ولا غيرهم، ولا يمكن أحد أن ينقل عن واحد من هؤلاء أنه نفي ذلك أو أخبر به.
وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء، فأكثر من أن يحصى أو يحصر، / فإن كان الحق هو النفي ـ دون الإثبات ـ والكتاب والسنة والإجماع إنما دل على الإثبات ولم يذكر النفي أصلًا ـ لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق في هذا الباب، بل نطقوا بما يدل ـ إما نصًا وإما ظاهرًا ـ على الضلال والخطأ المناقض للهدى والصواب.
ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين، فله أوفر حظ من قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
الوجه الثاني ـ في تبيين وجوب الإقرار بالإثبات، وعلو اللَّه على السموات أن ـ يقال: من المعلوم أن اللّه ـ تعالى ـ أكمل الدين، وأتم النعمة، وأن اللَّه أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء، وأن معرفة ما يستحقه اللَّه وما ينزه عنه هو من أجل أمور الدين، وأعظم أصوله، وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء؛ فكيف يجوز أن يكون هذا الباب لم يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفصله، ولم يعلم أمته ما يقولون في هذا الباب؟! وكيف يكون الدين قد كمل وقد تركوا على الطريقة البيضاء، وهم لا يدرون بماذا يعرفون ربهم: أبما تقوله النفاة، أو بأقوال أهل الإثبات؟!
الوجه الثالث: أن يقال: كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة، لابد أن يخطر بقلبه هذا الباب، ويقصد فيه الحق، ومعرفة الخطأ من الصواب، فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه، ولا يشتاقون إلى معرفته، ولا تطلب قلوبهم الحق، وهم ـ ليلًا ونهارًا ـ يتوجهون بقلوبهم إليه، ويدعونه تضرعًا وخيفة، ورَغَبًا ورهبًا، والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم بهذا، ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه