الصفحة 200 من 575

فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا كثيرًا، ولو كان ذلك معلومًا عندهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فيه.

/فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن، أكثره لا يخرج عن وجوه:

أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه، فالمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، مع أن كلاهما حق، بمنزلة تسمية اللَّه ـ تعالى ـ بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه، فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] .

فإذا قيل: الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام، فهي كلها أسماء لمسمى واحد ـ سبحانه وتعالى ـ وإن كان كل اسم يدل على نعت للّه ـ تعالى ـ لا يدل عليه الاسم الآخر.

ومثال هذا التفسير كلام العلماء في تفسير [الصراط المستقيم] فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول: هو القرآن، أي: اتباع القرآن، وهذا يقول: السنة والجماعة، وهذا يقول: طريق العبودية، وهذا يقول: طاعة اللَّه ورسوله.

ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها، ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط، وينتفع بمعرفة ذلك النعت.

/ الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير [الاسم] بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب، لا على سبيل الحصر والإحاطة، كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ [الخبز] فأرى رغيفًا وقيل: هذا هو، فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه، لا إلى ذلك الرغيف خاصة.

ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] .

فالقول الجامع: أن [الظالم لنفسه] : هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، و [المقتصد] : القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، و [السابق بالخيرات] : بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى اللَّه بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق.

ثم إن كلا منهم يذكر نوعًا من هذا. فإذا قال القائل: [الظالم] : المؤخر للصلاة عن وقتها، و [المقتصد] : المصلي لها في وقتها، و [السابق] : المصلي لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل

وقال آخر: [الظالم لنفسه] : هو البخيل الذي لا يصل رحمه ولا يؤدي زكاة ماله، و [المقتصد] : القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والإعطاء في النائبة، و [السابق] : الفاعل المستحب بعد الواجب كما / فعل [الصدِّيق الأكبر] حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئًا.

وقال آخر: [الظالم لنفسه] : الذي يصوم عن الطعام، لا عن الآثام، و [المقتصد] : الذي يصوم عن الطعام والآثام، و [السابق] : الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى اللَّه ـ تعالى ـ وأمثال ذلك ـ لم تكن هذه الأقوال متنافية بل كل ذكر نوعًا مما تناولته الآية.

الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببًا ويذكر الآخر سببًا آخر ـ لا ينافي الأول ـ ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعًا، أو نزولها مرتين؛ مرة لهذا، ومرة لهذا.

وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه [اختلاف تناقض] ، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة ـ كبعض مسائل الصلاة والزكاة، والصيام والحج،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت