الصفحة 199 من 575

ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم ـ أوهمت الغِرَّ [هو من لا تجربة له] . ما يوهمه السراب للعطشان ـ ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة، فإن [الضِدَّ يُظهِر حُسْنَه الضدُّ] ، وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيمًا، وبقدره أعرف إذا هدى إليه.

فأما المتوسطون من المتكلمين، فيخاف عليهم ما لا يخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية، فما بقي يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله، وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات المأخوذة تقليدًا لمعظمة هؤلاء.

العاشر: أنه لو حمل على هذا المعنى لأدى إلى محذور يجب تنزيه بعض الأئمة/ عنه، فضلا عن الصحابة، فضلًا عن الله ورسوله. فلو كان الكلام في الكتاب والسنة كلامًا نفهم منه معنى، ويريدون به آخر، لكان في ذلك تدليس وتلبيس، ومعاذ الله أن يكون ذلك! فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر في هذا اللفظ في هذا المعنى ليس حقيقة بالاتفاق؛ بل حقيقة في غيره، ولوكان حقيقة فيه للزم الاشتراك المجازي فيه، وإذا كان مجازًا عن بعض العرب أو مجازًا اخترعه من بعده، أفتترك اللغة التي يخاطب بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمته؟!

الحادي عشر: أن هذا اللفظ ـ الذي تكرر في الكتاب والسنة والدواعي متوفرة على فهم معناه من الخاصة والعامة عادة ودينًا ـ إن جعل الطريق إلى فهمه ببيت شعر أحدث فيؤدي إلى محذور، فلو حمل على معنى هذا البيت للزم تخطئة الأئمة الذين لهم مصنفات في الرد على من تأول ذلك، ولكان يؤدي إلى الكذب على اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة، وللزم أن اللّه امتحن عباده بفهم هذا دون هذا، مع ما تقرر في نفوسهم وما ورد به نص الكتاب والسنة، واللّه ـ سبحانه ـ لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهذا مستحيل على اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة.

الثانى عشر: أن معنى الاستواء معلوم علمًا ظاهرًا بين الصحابة والتابعين وتابعيهم، فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعًا، وهذا قول يزيد بن هارون الواسطي؛ فإنه قال: إن من قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] / خلاف ما تقرر في نفوس العامة فهو جهمى. ومنه قول مالك: الاستواء معلوم، وليس المراد أن هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قال بعض الناس: استوى أم لا؟ أو أنه سئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة. والسؤال عن النزول ولفظ الاستواء ليس بدعة ولا الكلام فيه، فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون، وإنما البدعة السؤال عن الكيفية.

ومن أراد أن يزداد في هذه القاعدة نورًا، فلينظر في شيء من الهيئة، وهي الإحاطة والكُرِّيّة، ولابد من ذكر الإحاطة ليعلم ذلك.

فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، غير عالمين بمعاني القرآن، جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم اللَّه ـ تعالى ـ عليه.

الوجه السادس: أن الصحابة ـ رضي اللَّه عنهم ـ فسروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها.

ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب اللَّه مني تبلغه الإبل لأتيته. وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا اللَّه. والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت