فهرس الكتاب
فالشيخ رحمه الله قد أنزل عليًا منزلته التي أنزله الرسول صلى الله عليه وسلم إياها وهي ائتمانه، ولم يغل فيه كغلو الرافضة فيجعل هذا دليلًا على أحقيته في الخلافة على أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -.
الموضع السابع:
قال شيخ الإسلام رادًا على قول الرافضة"بأن محبة علي مفرقة بين أهل الحق والباطل"
(وإن أريد بذلك مطلق دعوى المحبة، دخل في ذلك الغالية كالمدعين لإلهيته ونبوته، فيكون هؤلاء أهل حق وهذا كفر باتفاق المسلمين.
وإن أريد بذلك المحبة المطلقة فالشأن فيها، فأهل السنة يقولون: نحن أحق بها من الشيعة، وذلك أن المحبة المتضمنة للغلو هي كمحبة اليهود لموسى، والنصارى للمسيح، وهي محبة باطلة، وذلك أن المحبة الصحيحة أن يحب العبد ذلك المحبوب على ما هو عليه في نفس الأمر، فلو اعتقد رجل في بعض الصالحين أنه نبي من الأنبياء، وأنه من السابقين الأولين فأحبه، لكان قد أحب ما لا حقيقة له، لأنه أحب ذلك الشخص بناءً على أنه موصوف بتلك الصفة، وهي باطلة، فقد أحب معدومًا لا موجودًا، كمن تزوج امرأة توهم أنها عظيمة المال والجمال والدين والحسب فأحبها، ثم تبين أنها دون ما ظنه بكثير، فلا ريب أن حبه ينقص بحسب نقص اعتقاده، إذ الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.
فاليهودي إذا أحب موسى بناء علي أنه قال: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وأنه نهي عن اتباع المسيح صلى الله عليه وسلم يوم القيامة علم أنه لم يكن يحب موسى على ما هو عليه، وإنما أحب موصوفًا بصفات لا وجود لها، فكانت محبته باطلة، فلم يكن مع موسى المبشر بعيسى المسيح ومحمد.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"المرء مع من أحب"واليهودي لم يحب إلا ما لا وجود له في الخارج، فلا يكون مع موسى المبشر بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحب موسى هذا، والحب والإرادة ونحو ذلك يتبع العلم والاعتقاد، فهو فرع الشعور، فمن اعتقد باطلًا فأحبه، كان محبًا لذلك الباطل، وكانت محبته باطلة فلم تنفعه، وهكذا من اعتقد في بشر الإلهية فأحبه لذلك، كمن اعتقد إلهية فرعون ونحوه، أو أئمة الإسماعيلية، أو اعتقد الإلهية في بعض الشيوخ، أو بعض أهل البيت، أو في بعض الأنبياء أو الملائكة، كالنصارى ونحوهم، ومن عرف الحق فأحبه، كان حبه لذلك الحق فكانت محبته من الحق فنفعته.
قال الله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعملهم(1) والذين ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم واصلح بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا البطل وأن الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثلهم (3) . وهكذا النصراني مع المسيح: إذا أحبه معتقدًا أنه إله - وكان عبدًا - كان قد أحب ما لا حقيقة له، فإذا تبين له أن المسيح عبد ورسول لم يكن قد أحبه، فلا يكون معه.
وهكذا من أحب الصحابة والتابعين والصالحين معتقدًا فيهم الباطل، كانت محبته لذلك الباطل باطلة. ومحبة الرافضة لعلي رضي الله عنه من هذا الباب، فإنهم يحبون ما لم يوجد، وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته، الذي لا إمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا هو، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ظالمان معتديان أو كافران، فإذا تبين لهم يوم القيامة أن عليًا لم يكن أفضل من واحد من هؤلاء، وإنما غايته أن يكون قريبًا من أحدهم، وأنه كان مقرا بإمامتهم وفضلهم، ولم يكن معصومًا لا هو ولا هم، ولا كان منصوصًا على إمامته، تبين له أنهم لم