فهرس الكتاب
فالمعلوم المتيقن المتواتر عند العام والخاص أن أبا بكر كان أبعد عن إرادة العلو والفساد من عمر وعثمان وعلي، فضلًا عن علي وحده، وأنه كان أولى بإرادة وجه الله تعالى وصلاح المسلمين من الثلاثة)
تعليق
في هذا الموضع الطويل يعيد شيخ الإسلام ما سبق أن قرره كثيرًا، وهو أن الرافضة إذا طعنت في الخلفاء الثلاثة، فسيطعن الخوارج والنواصب في علي بمثل طعنهم، فالأولى بالطائفتين أن تلزما منهج أهل السنة والجماعة الذي يحب الخلفاء الأربعة جميعًا، ويحفظ جهادهم، ويحمل ما حصل من بعضهم من اجتهادات على المحمل الحسن، لأنهم قوم قد زكاهم الله وأثنى عليهم.
الموضع التاسع والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(وبالجملة فلا بد من كمال حال أبي بكر وعمر وأتباعهما، فالنقص الذي حصل في خلافة علي(فلا بد) من إضافة ذلك: إما إلى الإمام، وإما إلى أتباعه، وإما إلى المجموع.
وعلى كل تقدير فيلزم أن يكون أبو بكر وعمر وأتباعهما أفضل من علي وأتباعه، فإنه إن كان سبب الكمال والنقص من الإمام ظهر فضلهما عليه، وإن كان من أتباعه كان المقرون بإمامتهما أفضل من المقرين بإمامته، فتكون أهل السنة أفضل من الشيعة، وذلك يستلزم كونهما أفضل منه، لأن ما امتاز به الأفضل أفضل مما امتاز به المفضول.
وهذا بين لمن تدبره، فإن الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وقاتلوا معهم، هم أفضل من الذين بايعوا عليًا وقاتلوا معه، فإن أولئك فيهم من عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وعامة السابقين الأولين عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إنما توفي منهم أو قتل في حياته قليل منهم.
والذين بايعوا عليًا كان فيهم من السابقين والتابعين بإحسان بعض من بايع أبا بكر وعمر وعثمان. وأما سائرهم فمنهم من لم يبايعه ولم يقاتل معه، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وأبي هريره، وأمثال هؤلاء من السابقين، والذين اتبعوهم بإحسان.
ومنهم من قاتله، كالذين كانوا مع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية من السابقين والتابعين.
وإذا كان الذين بايعوا الثلاثة وقاتلوا معهم أفضل من الذين بايعوا عليًا وقاتلوا معه، لزم أن يكون كل من الثلاثة أفضل، لأن عليًا كان موجودًا على عهد الثلاثة، فلو كان هو المستحق للإمامة دون غيره، كما تقوله الرافضة، أو كان أفضل وأحق بها، كما يقوله من يقوله من الشيعة، لكان أفضل الخلق قد عدلوا عما أمرهم الله به ورسوله به إلى ما لم يؤمروا به، بل ما نهو عنه، وكان الذين بايعوا عليًا وقاتلوا معه فعلوا ما أمروا به.
ومعلوم أن من فعل ما أمر الله به ورسوله كان أفضل ممن تركه وفعل ما نهى الله عنه ورسوله، فلزم لو كان قول الشيعة حقًا أن يكون أتباع علي أفضل. وإذا كانوا هم أفضل وإمامهم أفضل من الثلاثة، لزم أن يكون ما فعلوه من الخير أفضل مما فعله الثلاثة.
وهذا خلاف المعلوم بالاضطرار، الذي تواترت به الأخبار، وعلمته البوادي والحضار، فإنه في عهد الثلاثة جرى من ظهور الإسلام وعلوه، وانتشاره ونموه، وانتصاره، وعزه، وقمع المرتدين، وقهر الكفار من أهل الكتاب والمجوس وغيرهم - ما لم يجر بعدهم مثله.
وعلي رضي الله عنه فضله الله وشرفه بسوابقه الحميدة وفضائله العديدة، لا بما جرى في زمن خلافته من الحوادث بخلاف أبي بكر وعمر وعثمان، فإنهم فضلوا مع السوابق الحميدة