فهرس الكتاب
وسيرة عثمان في الولاية كانت أكمل من سيرة علي، فقالوا: فثبت أن عثمان أفضل، لأن القرآن أعظم من علم السنة.
وفي صحيح مسلم - وغيره - أنه قال:"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة".
وعثمان جمع القرآن كله بلا ريب، وكان أحيانًا يقرؤه في ركعة. وعلي قد اختلف فيه: هل حفظ القرآن كله أم لا؟
والجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس، كما في قوله تعالى: (وجهدوا بأمولكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم) الآية، وقوله: (الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله بأمولهم وأنفسهم) الآية، وقوله: (إن الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا بأمولهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أوليآء بعض) .
وذلك لأن الناس يقاتلون دون أموالهم، فإن المجاهد بالمال قد أخرج ماله حقيقة لله، والمجاهد بنفسه لله يرجو النجاة، لا يوافق أنه يقتل في الجهاد. ولهذا أكثر القادرين على القتال يهون على أحدهم أن يقاتل، ولا يهون عليه إخراج ماله، ومعلوم أنهم كلهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، لكن منهم من كان جهاده بالمال أعظم، ومنهم من كان جهاده بالنفس أعظم.
وأيضًا فعثمان له من الجهاد بنفسه بالتدبير في الفتوح ما لم يحصل مثله لعلي، وله من الهجرة إلى أرض الحبشة ما لم يحصل مثله لعلي، وله من الذهاب إلى مكة يوم صلح الحديبية ما لم يحصل مثله لعلي، وإنما بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان لما بلغه أن المشركين قتلوا عثمان، وبايع بإحدى يديه عن عثمان، وهذا من أعظم الفضل، حيث بايع عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الزهد والورع في الرياسة والمال، فلا ريب أن عثمان تولى ثنتي عشرة سنة، ثم قصد الخارجون عليه قتله، وحصروه وهو خليفة الأرض، والمسلمون كلهم رعيته، وهو مع هذا لم يقتل مسلمًا، ولا دفع عن نفسه بقتال، بل صبر حتى قتل.
لكنه في الأموال كان يعطي لأقاربه من العطاء ما لا يعطيه لغيرهم، وحصل منه نوع توسع في الأموال، وهو رضي الله عنه ما فعله إلا متأولًا فيه، له اجتهاد وافقه عليه جماعة من الفقهاء، منهم من يقول: إن ما أعطاه الله للنبي من الخمس والفيء هو لمن يتولى الأمر بعده، كما هو قول أبي ثور وغيره، ومنهم من يقول: ذوو القربى المذكورون في القرآن هم ذوو قربى الإمام. ومنهم من يقول: الإمام العامل على الصدقات يأخذ منها مع الغنى. وهذه كانت مأخذ عثمان رضي الله عنه، كما هو منقول عنه. فما فعله هو نوع تأويل يراه طائفة من العلماء.
وعلي رضي الله عنه لم يخص أحدًا من أقاربه بعطاء، ولكن ابتداء بالقتال لمن لم يكن مبتدئًا له بالقتال، حتى قتل بينهم ألوف مؤلفة من المسلمين، وإن كان ما فعله هو متأول فيه تأويلات وافقه عليه طائفة من العلماء. وقالوا: أن هؤلاء بغاة، والله تعالى أمر بقتال البغاة بقوله: (فقتلوا التي تبغي) .
تعليق
في هذا الموضع يرد الشيخ على مزاعم الرافضة وطعونهم في عثمان رضي الله عنه وأنه قد حصلت منه أمور استوجبت عدم أحقيته بالخلافة، فبين لهم الشيخ أن ما اتهمتموه به فقد حدث أعظم منه - على رأيكم - من علي - رضي الله عنه -، فلماذا لا تتهمونه أيضًا؟
وفي هذا إسكات للرافضة عن قول الإثم.
الموضع الثالث والأربعون: قال شيخ الإسلام: