الصفحة 73 من 575

: 56]، وقال: {فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ} الآية [الأحزاب: 19] . فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين، كما دل عليه السياق، وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم.

فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسا خائفين منهم.

ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] ، فخوف الله أمر به، وخوف أولياء الشيطان نَهَى عنه، قال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة: 150] ، فنهى عن خَشْيَةِ الظالم وأمر بخشيته، وقال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39] ، وقال: {فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] .

وبعض الناس يقول: يا رب، إنى أخافك وأخاف من لا يخافك، فهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدًا، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل: قد يؤذينى، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك، فإنه قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك، كما قال: {وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .

وفى الآثار: (يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدى، فمن أطاعنى جعلت قلوب الملوك عليه رحمة، ومن عصانى جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، ولكن توبوا إلىَّ وأطيعون أعطفهم عليكم) .

ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} الآية [آل عمران: 165] ، وقال: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الآيات [آل عمران: 146] والأكثرون يقرؤون: قاتل ـ والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف: هم الجماعات الكثيرة، قال ابن مسعود وابن عباس ـ في رواية عنه ـ والفراء: ألوف كثيرة. وقال ابن عباس في أخرى ومجاهد وقتادة: جماعات كثيرة، وقرئ بالحركات الثلاث في الراء، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه: الذين ما وهنوا وما ضعفوا. وأما على قراءة أبى عمرو وغيره ففيها وجهان:

-أحدهما: يوافق الأول، أى الربيون يقتلون فما وهنوا، أى ما وهن من بقى منهم، لقتل كثير منهم، أى ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم، بل قاموا بأمر الله في القتال حتى أدَالُهم الله عليهم وصارت كلمة الله هى العليا.

-والثانى: أن النبى صلى الله عليه وسلم قتل معه ربيون كثير فما وهن من بقى منهم لقتل النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمدًا قد قتل، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا، ولو أريد أن النبى قتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم بل تقليلهم هو المناسب لها، فإذا كثروا لم يكن في مدحهم بذلك عبرة.

وأيضا، لم يكن فيه حجة على الصحابة، فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم، فيقولون ولم يهنوا؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون.

وأيضًا، فقوله: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} [آل عمران: 146] يقتضى كثرة ذلك، وهذا لا يعرف أن أنبياء كثيرون قتلوا في الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت