فهرس الكتاب
وأيضا: فيقتضى أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير، وهذا لم يوجد، فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى وأنبياء بنى إسرائيل لم يقتلوا في الغزو، بل ولا يعرف نبى قتل في جهاد، فكيف يكون هذا كثيرًا ويكون جيشه كثيرًا؟!
والله ـ سبحانه ـ أنكر على من ينقلب، سواء كان النبى مقتولا أو ميتا، فلم يذمهم إذا مات أو قتل على الخوف بل على الانقلاب على الأعقاب، ولهذا تلاها الصديق رضى الله عنه ـ بعد موته صلى الله عليه وسلم فكأن لم يسمعوها قبل ذلك.
ثم ذكر بعدها معنى آخر: وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم خلق كثير وهم لا يهنون، فيكون ذكر الكثرة مناسبا؛ لأن من قتل مع الأنبياء كثير، وقتل الكثير من الجنس يقتضى الوهن، فما وهنوا وإن كانوا كثيرين، ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم، ولم يقل هنا: ولم ينقلبوا على أعقابهم، فلو كان المراد أن نبيهم قتل لقال: فانقلبوا على أعقابهم؛ لأنه هو الذى أنكره إذا مات النبى أو قتل، فأنكر سبحانه شيئين: الارتداد إذا مات أو قتل، والوهن والضعف والاستكانة لما أصابهم في سبيل الله من استيلاء العدو؛ ولهذا قال: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146] . . . إلخ. ولم يقل: فما وهنوا لقتل النبى، ولو قتل وهم أحياء لذكر ما يناسب ذلك، ولم يقل: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ} ، ومعلوم أنّ ما يصيب في سبيل الله في عامة الغزوات لا يكون قتل نبى.
وأيضًا: فكون النبى قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير، لا يستلزم أن يكون النبى معهم في الغزاة، بل كل من اتبع النبى وقاتل على دينه فقد قاتل معه، وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه، وهذا الذى فهم الصحابة، فإن أعظم قتالهم كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حتى فتحوا البلاد شامًا، ومصرًا، وعراقًا، ويمنًا وعربًا، وعجمًا، ورومًا، ومغربًا، ومشرقًا، وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه، فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون، ويكون في هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة، فإنهم كلهم يقاتلون مع النبى صلى الله عليه وسلم على دينه، وإن كان قد مات، والصحابة الذين يغزون في السرايا، والنبى ليس معهم، كانوا معه يقاتلون، وهم داخلون في قوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الآية [الفتح: 29] ، وفى قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} الآية [الأنفال: 75] . ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدًا للمطاع ناظرًا إليه.
وقد قيل فى: {ربيون} هنا: إنهم العلماء، فلما جعل هؤلاء هذا كلفظ الربانى، وعن ابن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربوبين. والأول أصح من وجوه:
-أحدها: أن الربانيين عين الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم أئمتهم في دينهم، ولا يكون هؤلاء إلا قليلًا.
-الثانى: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين، وإن كانوا قد أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل.
-الثالث: أن استعمال لفظ الربانى في هذا ليس معروفا في اللغة.
-الرابع: أن استعمال لفظ الربى في هذا ليس معروفا في اللغة، بل المعروف فيها هو الأول، والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهور [ربى] بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء، وقد قرئ بالضم، فعلم أنها لغات.
-الخامس: أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء كان من الربانيين أو لم يكن.