فهرس الكتاب
ومن هذا الباب قول أبى يزيد البسطامى: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبى عبد اللّه القرشى المشهور بالديار المصرية: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وفى دعاء موسى ـ عليه السلام ـ: (اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك) ، ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصًا باللّه صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوَّز مطلق الاستغاثة بغير اللّه، ولا أنكرعلى من نفى مطلق الاستغاثة عن غير اللّه.
/وكذلك الاستغاثة أيضا، فيها ما لا يصلح إلا لله، وهى المشار إليها بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا اللّه. وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال اللّه تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72] ، والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو ولا يقدر عليه إلا اللّه.
ومن خالف ما ثبت في الكتاب والسنة، فإنه يكون إما كافرًا، وإما فاسقًا، وإما عاصيا، إلا أن يكون مؤمنا مجتهدًا مخطئًا فيثاب على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه به الحجة، فإن اللّه يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] . وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها: فإنه يعاقب بحسب ذلك، إما بالقتل، وإما بدونه. واللّه أعلم.
وقد يكون في كلام اللّه ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد اللّه ورسوله، فهذا يرد عليه فهمه. كما روى الطبرإني في معجمه الكبير: أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذى المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث باللّه) ، فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا اللّه، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به، كما في صحيح البخارى، عن ابن عمر قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى، فما ينزل حتى يجيش له كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه**ثمال اليتامى عصمة للأرامل!
وهو قول أبى طالب؛ ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء اللّه تعالى: يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا اللّه، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يدى غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ولغيره مجاز.
قالوا: من أسمائه تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبى هريرة، قالوا: واجتمعت الأمة على ذلك.
وسئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى:
هل يجوز التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته، والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك، مما هو من أفعاله، وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به.
وأما قول القائل: اللهم إنى أتوسل إليك به. فللعلماء فيه قولان، كما لهم في الحلف به قولان. وجمهور الأئمة ـ كمالك والشافعى وأبي حنيفة ـ على أنه لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء