فهرس الكتاب
وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعًا لا في اللغة ولا في كلام من يدرى ما يقول: نعم هذا سؤال به ودعاؤه ليس هو استشفاعًا به. ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة ـ كما غيروا الشريعة ـ وسموا هذا استشفاعًا أى سؤالا بالشافع صاروا يقولون: [استشفع به فيشفعك] أى يجيب سؤالك به، وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة وليس لفظها من ألفاظ مالك.
نعم، قد يكون أصلها صحيحا، ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول اتباعًا للسنة، كما كان عمر ينهى عن رفع الصوت في مسجده، ويكون مالك أمر بما أمر اللّه به من تعزيره وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بمالك أن يأمر به.
ومن لم يعرف لغة الصحابة التى كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبى صلى الله عليه وسلم وعادتهم في الكلام، وإلا حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيرًا من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام اللّه أو رسوله أو الصحابة، فيظن أن مراد اللّه أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد اللّه ورسوله والصحابة خلاف ذلك.
وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم، وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم، ويقولون: إنا موافقون للأنبياء! وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة، مثل من وضع [المحدث] و [المخلوق] و [المصنوع] على ماهو معلول وإن كان عنده قديمًا أزليًا، ويسمى ذلك [الحدوث الذاتى] ثم يقول: نحن نقول: إن العالم محدث، وهو مراده. ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار ليس لغة أحد من الأمم، وإنما المحدث عندهم ما كانوا بعد أن لم يكن.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته ـ كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم، وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره، مثل توسل الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته ـ فهذا نوع ثالث هو من باب قبول اللّه دعاءه وشفاعته لكرامته عليه، فمن شفع له الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولم يشفع له.
ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به، فظن هذا مشروعًا مطلقًا لكل أحد في حياته ومماته، وظنوا أن هذا مشروع في حق الأنبياء والملائكة، بل وفى الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح، وإن لم يكن صالحًا في نفس الأمر.
أما الصحابة فلم يعرف فيهم ـ ولله الحمد ـ من تعمد الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم، كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفِرَق.
ولا كان فيهم من قال: إنه أتاه الخضر، فإن خضر موسى مات كما بُيِّن هذا في غير هذا الموضوع، والخضر الذى يأتى كثيرًا من الناس إنما هو جِنىٌّ تصور بصورة إنسى أو إنسى كذاب، ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله: أنا الخضر، فإن الملك لا يكذب وإنما يكذب الجنى والإنسى. وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيا مما يطول ذكره في هذا الموضع. وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس.
وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها، كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم، ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال الناس وطعامهم وتأتيه به، فيظن أن هذا من باب الكرامات، كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع.