الصفحة 90 من 575

وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب في التابعين من أهل مكة والمدينة والشام والبصرة، بخلاف الشيعة، فإن الكذب معروف فيهم، وقد عرف الكذب بعد هؤلاء في طوائف.

/وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحيانًا وفيمن بعدهم.

ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط، وإن كان جمهور متون الصحيحين مما يعلم أنه حق.

فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط، والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه رواها لتعرف، بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب؛ ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروى عنهم أهل السنن كأبى داود والترمذى، مثل مشيخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده، وإن كان أبو داود يروى في سننه منها، فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبى داود في سننه.

والمقصود أن هذه الأحاديث التى تروى في ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث الغريبة المنكرة، بل الموضوعة التى يرويها من يجمع في الفضائل والمناقب الغَثَّ والسَّمين، كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل الأوقات، وفضائل العبادات، وفضائل الأنبياء والصحابة، وفضائل البقاع، ونحو ذلك، فإن هذه الأبواب فيها أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب موضوعة، ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التى ليست صحيحة ولا حسنة، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب.

وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعى، وروى في فضله حديث لا يعلم أنه كذب ـ جاز أن يكون الثواب حقا، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه يجوز أن يجعل الشىء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع.

وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شىء إلا بدليل شرعى، لكن إذا علم تحريمه، وروى حديث في وعيد الفاعل له، ولم يعلم أنه كذب ـ جاز أن يرويه، فيجوز أن يروى في الترغيب والترهيب مالم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.

وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة، فإن كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم، وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التى في الكنائس، ويحصل ما يحصل من غرضه، وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم. فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحًا، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها، نهى الله ورسوله عنها، كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لما كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع.

فهذا أصل يجب اعتباره، ولا يجوز أن يكون الشىء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعى يقتضى إيجابه أو استحبابه. والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت