الصفحة 91 من 575

وفى الجملة، فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين.

وقوله: (وشفعنى فيه) رواه عن شعبة رجلان جليلان: عثمان بن عمر، وروح بن عبادة. وشعبة أجل من روى هذا الحديث، ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه الثلاثة: الترمذى والنسائى وابن ماجه.

رواه الترمذى عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر عن شعبة ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سيار عن عثمان بن عمر، وقد رواه أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة، فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث. مع أن قوله: (وشفعنى في نفسى) إن كان محفوظًا مثل ما ذكرناه، وهو أنه طلب أن يكون شفيعًا لنفسه مع دعاء النبى صلى الله عليه وسلم ولو لم يدع له النبى صلى الله عليه وسلم كان سائلا مجردًا كسائر السائلين.

ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرا فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذى لم يشفع غيره.

فهذه الزيادة فيها عدة علل: انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه، وإعراض أهل السنن عنها، واضطراب لفظها، وأن راويها عرف له ـ عن روح هذا ـ أحاديث منكرة.

ومثل هذا يقتضى حصول الريب والشك في كونها ثابتة، فلا حاجة فيها؛ إذ الاعتبار بما رواه الصحابى لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذى رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه.

ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعنى فيه ـ مع أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يدع له ـ كان هذا كلامًا باطلا، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبى صلى الله عليه وسلم شيئا، ولا أن يقول: فشفعه فىّ، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبى صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: (فشفعه فى) لكان كلامًا لا معنى له؛ ولهذا لم يأمر به عثمان.

والدعاء المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، والذى أمر به ليس مأثورًا عن النبى صلى الله عليه وسلم.

ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من /الصحابة عليه ـ وكان ما يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم يخالفه لا يوافقه ـ لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول.

ولهذا نظائر كثيرة: مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء، ويأخذ لأذنيه ماءً جديدًا، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء، ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وروى عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل. فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعًا لهما فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا.

والوضوء الثابت عنه صلى الله عليه وسلم الذى في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبى صلى الله عليه وسلم: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل. بل هذا من كلام أبى هريرة جاء مدرجًا في بعض الأحاديث، وإنما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (إنكم تأتون يوم القيامة غرًا مُحَجَّلِين من آثار الوضوء) ، وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت