الصفحة 96 من 575

وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته، وموالاته، أو التوسل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا.

فلما لم يفعل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ شيئا من ذلك، ولا دعوا بمثل هذه الأدعية ـ وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله، وأعلم بما أمر الله به رسوله من الأدعية، وما هو أقرب إلى الإجابة منا، بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبى صلى الله عليه وسلم ـ دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنا.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبرى وثَنًا يُعْبَد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه مالك في موطئه ورواه غيره، وفى سنن أبى داود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تتخذوا قبرى عيدًا، وصلوا علىَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى) وفى الصحيحين أنه قال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. وفى صحيح مسلم عن جندب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: (إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل، ولو كنت متخذًا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، فإن الله قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك) . وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) .

وأن يدعو بهذا الدعاء: (اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، يا محمد، إنى أتوجه بك إلى ربى في حاجتى هذه فتقضى، اللهم فشفعنى فيه وشفعه فى) . قال: ففعل الرجل فبرأ.

فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء.

فمن الناس من يقول: هذا يقتضى جواز التوسل به مطلقًا حيا وميتا. وهذا يحتج به من يتوسل بذاته بعد موته وفى مغيبه، ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في حياته كان بمعنى الإقسام به على الله، أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضى حوائجهم، ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم، ولا إلى أن يطيعوه، فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع، الجميع عندهم توسل به، وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه، ويظنون أن الله تعالى يقضى حاجة هذا الذى توسل به بزعمهم ولم يدع له الرسول، كما يقضى حاجة هذا الذى توسل بدعائه ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ كلاهما متوسل به عندهم، ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبى صلى الله عليه وسلم فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى، وأن ما أمر به الأعمى مشروع لهم. وقول هؤلاء باطل شرعًا وقدرًا، فلا هم موافقون لشرع الله، ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله.

/وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا ـ مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله، وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع من الدعاء وينفع، وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق ممكن ـ دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه.

ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حيًا هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو من جنس مسألته أن يدعو لهم، وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت