الصفحة 97 من 575

وأما بعد موته، فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء، لا عند قبره ولا عند غير قبره، كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين، يسأل أحدهم الميت حاجته، أو يقسم على الله به ونحو ذلك، وإن كان قد روى في ذلك حكايات عن بعض المتأخرين، بل طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر لما استأذنه في العمرة: (لا تنسنا يا أخى من دعائك) ـ إن صح الحديث ـ وحتى أمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يطلب من أويس القرنى أن يستغفر للطالب، وإن كان الطالب أفضل من أويس بكثير.

ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون إليه ثواب أعمالهم ولا يحجون عنه ولا يتصدقون ولا يقرؤون القرآن ويهدون له؛ لأن كل ما يعمله المسلمون من صلاة وصيام وحج وصدقة وقراءة له صلى الله عليه وسلم مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شىء؛ بخلاف الوالدين، فليس كل ما عمله المسلم من الخير يكون لوالديه مثل أجره، ولهذا يهدى الثواب لوالديه وغيرهما.

قال أهل هذا القول: ولا يلزم من جواز التوسل والاستشفاع به ـ بمعنى أن يكون هو داعيًا للمتوسل به ـ أن يشرع ذلك في مغيبه، وبعد موته؛ مع أنه هو لم يدع للمتوسل به، بل المتوسل به أقسم به أو سأل بذاته، مع كون الصحابة فرقوا بين الأمرين؛ وذلك لأنه في حياته يدعو هو لمن توسل به، ودعاؤه لمن دعا له وشفاعته له أفضل دعاء مخلوق لمخلوق، فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول، ولم يشفع له؟ ومن سوى بين من دعا له الرسول، وبين من لم يدع له الرسول، وجعل هذا التوسل كهذا التوسل، فهو من أضل الناس.

وقد تبين أن الإقسام على الله سبحانه بغيره لا يجوز، ولا يجوز أن يقسم بمخلوق أصلًا، وأما التوسل إليه بشفاعة المأذون لهم في الشفاعة فجائز، والأعمى كان قد طلب من النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعو له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء، وقوله: (أتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة) أى بدعائه وشفاعته لى، ولهذا تمام الحديث: (اللهم فشفعه فى) . فالذى في الحديث متفق على جوازه، وليس هو مما نحن فيه، وقد قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} .

وأما المخلوق الغائب والميت، فلا يطلب منه شىء. يحقق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته؛ ودعاؤه وشفاعته صلى الله عليه وسلم من أعظم الوسائل عند الله عز وجل.

والحكاية التى تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة فأمره بذلك وقال: (هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم) كذب على مالك ليس لها إسناد معروف، وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه. كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضى وغيره، مثل ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلى الحجرة يدعون لأنفسهم، فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه من البدع، التى لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك، فإن الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم، ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا هم أعلم بذلك، وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم والداعى يدعو الله وحده. وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى، كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبى مرثد الغنوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) . فلا يجوز أن يصلى إلى شىء من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لهذا الحديث الصحيح. ولا خلاف بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت