معتبرين الحرب بين العراق وايران لاتصب في المصلحة السوفيتية لأن هاتين الدولتين ستنشغلان بنزاع بينهما عوضًا عن تركيزهما على النضال ضد الامبريالية (36) وانتصار أي واحدة من الدولتين لن يؤدي الى احداث تغيير في موازين القوى في المنطقة (37) .
ومهما بلغت قوة تأثير انور السادات على المشهد السياسي في مصر وامام العرب حتى حينما أصبح هو صاحب القرار في مصر فقد كان من الممكن ان يبقى مجرد زعيم مصري غير مؤثر في الحرب العراقية الايرانية وقد اتخذ خطأً فاحشًا في سياسته الخارجية عندما اعترف باسرائيل لايمكن تبريره بأي شكل من الاشكال ادى الى تفكك العرب وضعف السياسة العربية تجاه قضايا العرب وانتقال المبادرة في شؤون مصر الى يد الولايات المتحدة الامريكية بصفة مطلقة. كما هيأ السادات الاجواء لتأثيرات امريكية ناشطة في بعض الدول العربية وانبثاق مرحلة جديدة في العلاقات العربية يمكن ان يطلق عليها تسمية"الحرب الباردة العربية"في اكثر صورها تطرفًا من حيث العنف والحرج وعدم اتخاذ مواقف ايجابية وحاسمة تجاه الحرب العراقية الايرانية ونتائجها الكارثية.
موقف ليبيا من الحرب
كانت علاقات ليبيا مع ايران مستقرة قبل الثورة الايرانية ولكنها شهدت تطورًا ملحوظًا بعد قيام الثورة الايرانية، فقد بادرت ليبيا رسميًا وعلى لسان رئيسها العقيد معمر القذافي الى تأييد الثورة وعدها في بيان رسمي في عام 1979"ثورة اسلامية اشتراكية تقدمية" (38) كما دافعت ليبيا اعلاميًا عن الثورة الايرانية واستمرارها وان الحكومة الليبية مستعدة للدفاع عن ايران في حال مهاجمتها من قبل الولايات المتحدة الامريكية. كما عرض الرئيس الليبي تعاون ليبيا ودعمها لايران في مجال التسلح والاقتصاد (39) . ثم رفعت ليبيا علاقاتها الدبلوماسية مع ايران الى مستوى السفراء واعلنت عن رغبتها في اقامة تحالف قوي مع ايران في النواحي العسكرية والسياسية بعد ان رفضت ايران في البداية اقامة علاقات دبلوماسية مع ليبيا.
ان التقارب الليبي الايراني وموقف ليبيا المساند لايران في الحرب يرجع الى عوامل متعددة وهي: (40)
1 -رفض ايران التعاون مع ليبيا واقامة علاقات دبلوماسية معها في بداية الثورة الايرانية والايرانيون ينظرون الى النظام الليبي ايضًا كونه نظامًا علمانيًا بعيد عن الدين الاسلامي الا ان ايران غيرت موقفها بعد ان تفهمت الموقف الاعلامي الليبي منها.
2 -ان ايران من وجهة نظر الرئيس الليبي معمر القذافي بلد اسلامي ويجب دعمه في كافة المجالات اكثر من العراق رغم كون الاخير بلدًا عربيًا.
3 -حرص ليبيا على تنفيذ التزاماتها مع سوريا التي ابرمت معها وحدة سياسية.
4 -اعتقاد الخميني مشاركة معمر القذافي في عملية اختفاء موسى الصدر الزعيم الشيعي في لبنان في آب 1978 رفيقه ومستشاره الخاص التي تمت في ليبيا اثناء زيارته لها بدعوى من الحكومة الليبية وتخوف الرئيس الليبي من معاداة النظام الايراني ومطالبته بالتحقيق في مسألة الاختفاء واتهامه بأنه الطرف المباشر في العملية مما دفعه الى تأييد الثورة الايرانية (41)
5 -تدهور علاقات ليبيا مع الولايات المتحدة الامريكية بسبب خلافاتها معها بشأن مسألة تسليح المملكة العربية السعودية والتدخل في شؤون منطقة الخليج العربي وبخاصة ما يتعلق بتزويد الامريكان للمملكة العربية السعودية بصفقة طائرات الانذار المبكر (الاواكس) الالكترونية التي عدها القذافي بمثابة احتلال مع دعوته الى الجهاد لغرض تحرير الاماكن المقدسة من هذا التلوث الامريكي.
6 -المزاجية التي تتحكم بالسياسة الخارجية الليبية متمثلة بوضع العقيد القذافي النفسي.
7 -تعرض السياسة الليبية لضغوط خارجية وبخاصة الضغوط الامريكية وغيرها من الدول المؤثرة في السياسة الدولية التي تريد بقاء بعض الخطوط مفتوحة مع النظام الايراني ضمن اطار نظرة استراتيجية كونية.