ايران اهتمت خلال السنوات الاولى من الحرب بالمسألة الفلسطينية ومصالح العالم الاسلامي ودعمت فكرة احتلال القدس والسيطرة على المواقع المقدسة. كما عدت ايران الخطر الاسرائيلي غير ماثل على المدى المنظور ولكنها عدت اسرائيل ككيان مغتصب خطرًا على الاسلام السياسي. وقد اكد ذلك نائب وزير الخارجية الايرانية محمود ديزي في تصريح له بقوله:"طغت هذه المهام الاخلاقية على المصالح الاستراتيجية لايران بين الحين والاخر" (28) .
إن اهتمامات ايران لم تمنع منظمة التحرير الفلسطينية وبخاصة جماعة حماس (*) من ان تقف مع العراق في الحرب وكذلك اعلان احتجاجها على الدعم العسكري الاسرائيلي لايران وعدته معايير مزدوجة لايران في سياستها تجاه الفلسطينيين (29) . ولكن ايران عارضت اسرائيل ايديولوجيًا بهدف ادارة علاقاتها مع الدول العربية والاسلامية المحيطة بها وللدعم الايديولوجي الايراني للقضية الفلسطينية. وصار اعتقاد اسرائيل ان حجم مشاركة ايران في الصراع العربي الاسرائيلي لايمكن ان يكون اكبر من حجم مشاركةالفلسطينيين وجيران ايران من العرب ولاسيما وان ايران لم تكن دولة على خط المواجهة مع اسرائيل، وقد اكد علي رضا تابار وهو من الاصلاحيين الايرانيين البارزين ذلك بقوله:"لم نشأ ابدًا المشاركة بشكل مباشر في القتال مع اسرائيل" (30) . وكذلك اكد هذا التوجه آية الله الخميني زعيم الثورة الايرانية عندما قال:
"انه في حال التوصل الى اتفاق بين الفلسطينيين"
والاسرائيليين فعلى ايران ان تدعم هذا الاتفاق
بالوقوف خلف الفلسطينيين" (31) "
موقف مصر من الحرب
على الرغم من وجود علاقات بين مصر والعراق الا ان مصر لم تقف موقفًا واضحًا من الحرب بعد نشوبها، وكانت مصر تعاني من عزلة عربية لها بسبب موافقتها على توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 مع اسرائيل برعاية الولايات المتحدة الامريكية والتي اعترفت بموجبها بشرعية الوجود الاسرائيلي في المنطقة كدولة دون استشارة الدول العربية (32) وكانت مصر تدرك جيدًا ان العراق عضو في جبهة الصمود العربية التي تشكلت في عام 1977 وضمت بعض الدول العربية كالجزائر وسوريا وليبيا واليمن الجنوبية والتي وقفت ضد توجهات مصر باعترافها باسرائيل الذي صار عاملًا اساسيًا في ضعف السياسة العربية والانقسام بين العرب.
غير ان مصر لم تقف ضد العراق في حرب ايران بأي شكل من الاشكال بل عدلت موقفها مستغلة ظروف الحرب من اجل حل الخلافات السياسية بينها وبين العراق وبقية الدول العربية. وقد دفع مصر الى تغيير موقفها هذا هو المتغير الايراني الذي تمثل بسقوط شاه ايران صديق مصر وقيام الثورة الايرانية التي عارضها انور السادات بسبب تهجم آية الله الخميني زعيم الثورة على سياسات انور السادات تجاه اسرائيل بتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد ووصفه له بأنه خائن للاسلام (33) .
ويتضح من المقابلة التي تمت بين الدكتور مجيد خدوري والرئيس المصري انور السادات في عام 1981 ان هناك سببًا آخر دفع السادات الى مساندة العراق مستغلًا ظروف الحرب العراقية الايرانية وهو مشاركة العراق ودعمه لمصر في حرب تشرين الاول 1973 بين العرب واسرائيل (34) .
ولقد جرت خطوات عديدة للتعاون السياسي والعسكري بين مصر والعراق. فقد استمرت اولًا الاتصالات على اعلى المستويات وسمح التقارب والحوار المستمر الى حالة من الانفراج في العلاقات بين الدولتين. كما اصدر الرئيس المصري انور السادات اوامره بارسال الاسلحة والمعدات الحربية التي يحتاجها العراق في الحرب يضاف الى ذلك اصداره الاوامر الى الجيش المصري للتأهب لدعم العراق وقامت مصر بارسال الخبراء العسكريين والايدي العاملة لاسناد المجهود الحربي العراقي، وتشير بعض الاحصائيات ان عدد العاملين المصريين في العراق زاد عن المليوني عامل وان كان العدد قد بدأ بالتناقص منذ عام 1984 (35) .
ويبدو واضحًا ان اسباب هذا التغير في سياسة مصر تجاه العراق في حربه مع ايران تعود ايضًا الى موقفي كل من ليبيا وسوريا المعادي للعراق كما توضح في سلوك وتصريحات المسؤولين فيها وكذلك تردد السوفيت في اتخاذ موقف واضح تجاه الاطراف المتحاربة في مسألة بيع الاسلحة