المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فإن مما تقر به عيون دعاة المسلمين ومفكريهم هو أن يوجد في هذه الأمة من يسعى إلى لمِّ شملها وجمع شتاتها لتنهض من جديد لقيادة الإنسانية وفق منهج الله سبحانه والعدل الربّاني المتمثل بالإسلام والذي عاشت بظل عدالته كل الديانات باحترام وأمان، ولذا فإن الذي يدعو لذلك يكون محط أنظار المسلمين واحترامهم، لأنه يسعى لإعادة مجد أمة الإسلام وحضارتها، فتنعقد عليه الآمال لتوحيد المسلمين على اختلاف مذاهبهم ونبذ الخلافات فيما بينهم وجمعهم على الاخوة الإسلامية ليقفوا صفًا واحدًا متماسكًا بوجه أعدائهم الذين أذاقوهم ألوان الذل والاضطهاد،
ومن أجل ذلك ظهرت الصيحات من هنا وهناك بوجوب التقارب بين المذاهب الإسلامية ونبذ الخلافات كحلٍ عملي لتلافي ضعف الأمة وتمزقها، وهو أمر يسعى إليه كل مسلم غيور على دينه يؤلمه حال أمته ويمزق قلبه،
ولكن صيحات التقارب هذه أخذ يرددها دُخَلاء من ذوي الأغراض والأهواء لتحقيق مآربهم، إذ لم يكن ترديدهم لتلك الصيحات نابعًا من ألمهم على أمة الإسلام وحالها الممزق، وإنما رددوها من أجل نشر أفكارهم وكسب أكبر عدد من المسلمين الى الاعتقاد بمذاهبهم، مستغلين احترام المسلمين وإقبالهم -بقلوبهم وأبدانهم- على من ينادي بالتقريب، حتى إذا ما أقبل الناس عليهم بدؤوا يعرضون أفكارهم ومعتقداتهم بتدرج وخفاء خطوةً خطوةً، لا سيما والغالبية العظمى من المسلمين ليس عندهم تصور وإحاطة بالمذاهب وتقويمها من حيث الاستقامة والاعوجاج، فكانت النتيجة أن تحولت صيحة التقريب عند هؤلاء الى وسيلة - بعد أن كانت غاية بل وأمنية يحلم بها كل مسلم صادق في دينه- لكسب أتباع المذاهب الأخرى الى مذهبهم.