"ففي الجملة أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان ، كما قال تعالى: { فَاتَّقُوا الله َ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ( التغابن / 16 ) ، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمر فأتو منه ما استطعتم" (1) ، ويعلمون أن الله بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بصلاح العباد في المعاش والمعاد ، وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد ، فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما ، فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله ، وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه ، فإن الله تعالى بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فإذا تولى خليفة من الخلفاء كيزيد ، وعبدالملك ، والمنصور وغيرهم فإما أن ُيقال: يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يولى غيره - كما يفعله من يرى السيف - فهذا رأي فاسد ، فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته ، وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير:"
* كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة .
* وكابن الأشعث (2) الذي خرج على عبدالملك بالعراق .
* وكابن المهلب (3) الذي خرج على أبيه بخراسان .
* وكأبي مسلم (4) صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا .
* وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة .
وأمثال هؤلاء ...
وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا وإما أن يُغلبوا ، ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة ، فإن عبدالله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا ، وكلاهما قتلة أبو جعفر المنصور .
(1) - رواه البخاري (9 / 49 ) ، ومسلم ( 2 / 675 ) .
(2) - أنظر"البداية والنهاية" ( 9 / 36 - 41 ) لابن كثير .
(3) - انظر"البداية والنهاية" ( 9 / 219 ) .
(4) - انظر"البداية والنهاية" ( 10 / 31 - 37 و 67 - 74 ) .