الصفحة 22 من 34

وأما أهل الحرة وابن الأشعث ، وابن المهلب - وغيرهم- فهُزموا وهُزم أصحابهم فلا أبقوا دينًا ولا أبقوا دنيا . والله لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا .

وإن كان فاعل ذلك من عباد الله المتقين ومن أهل الجنة فليسوا أفضل من علي وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم ، ومع ذلك لم يُحمدوا ما فعلوه من القتال ، وهم أعظم قدرًا عند الله وأحسن نية من غيرهم .

وكذلك أهل الحرة كان فيهم خلق من أهل العلم والدين ، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العم ، والله يغفر لهم كلهم ، وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر ؟ ، قال: كنت حيث يقول الشاعر:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ،،، وصوّ ت إنسانٌ فكدت أطير

... أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء .

وكان الحسن البصري يقول:"إن الحَجّاج عذاب الله ، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإن الله تعالى يقول: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } ( المؤمنون / 76 ) ."

وكان طلق بن حبيب يقول:"اتقوا الفتنة بالتقوى ، فقيل له: أجمل لنا التقوى . فقال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله"رواه أحمد وابن أبي الدنيا (1) .

وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ، كما كان عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة (2) عن الخروج على يزيد ، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث .

(1) - ورواه ابن أبي شيبة ( 11/23) ، وابن المبارك في"الزهد" ( 473 ) ، وأبو نعيم في"الحلية" ( 3/64 ) .

(2) - انظر"البداية والنهاية" ( 8 / 217 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت