الصفحة 23 من 34

ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم ، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين .

وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة ، وليس هذا موضع بسطه .

ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب - واعتبر اعتبار أولي الأبصار - علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور .

ولهذا لما أراد الحسين رضي الله عنه أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبًا كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العم والدين كابن عمر ، وابن عباس ، وأبي بكر بن عبدالرحمن بن حارث بن هشام أن لا يخرج ، وغلب على ظنهم أنه يُقتل ، حتى أن بعضهم قال: أستودعك الله من قتيل . وقال بعضهم: لولا الشناعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج . وهم بذلك قاصدون نصيحته ، طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين ، والله ورسوله إنما يأمرون بالصلاح لا بالفساد ، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ تارة .

فتبيّن أن الأمر على ما قاله أولئك ، ولم يكن في الخروج مصلحة لا في دين ولا في دنيا ، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا ، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده ، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيئ ، بل زاد الشر بخروجه وقتله ، ونقص الخير بذلك ، وصار ذلك سببًا لشر عظيم ، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن ، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت