الصفحة 26 من 34

وإذا قال القائل: إن عليًا والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز عنه لأنه لم يكن لهما أنصار فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة .

قيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعها الشارع - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن الخروج على الأمراء ، وندب إلى ترك القتال في الفتنة ، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالذين خرجوا بالحرّة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما .

لكن إذا لم يُزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صار إزالته على هذا الوجه منكرًا ، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا .

وبهذا الوجه صارت الخوارج يستحلون السيف على أهل القبلة حتى قاتلت عليًا وغيره من المسلمين ، وكذلك من وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم .

إلى أن قال:

ومما ينبغي أن يُعلم أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة ، فيَردُ على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب من معرفة الحق وقصده ، ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية ، والجاهلية ليس فيها معرفة الحق وقصده ، والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق وقصده فيتفق أن بعض الولاة يظلم باستئثار ، فلا تصبر النفوس على ظلمه ، ولا يمكنها دفع ظلمه إلا بما هو أعظم فسادًا منه ، ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع

الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله . ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (1) .

وكذلك ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في"الصحيحين"أنه قال:

"على المرء السمع والطاعة في يسره وعسره ، ومنشطه ومكرهه ، وأثرة عليه" (2) .

(1) - رواه البخاري ( 5 / 33 ) ، ومسلم ( 3 / 1474 ) .

(2) - رواه البخاري ( 13 / 109 ) ، ومسلم ( 1839 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت