الصفحة 48 من 109

فَلَمَّا ابْتَلَيْتَنِي لَمْ أَصْبِرْ، فَإِنْ تُعَذِّبْنِي فَأَنَا أَهْلُ ذَاكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لِي فَأَنْتَ أَهْلُ ذَاكَ؛ يَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ، فَعَلِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا قَالَ، فَإِذَا جِبْرِيلُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ يَقُولُ لَهُ: يَا دَاوُدُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَفَرَ لَكَ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَنَاجَى رَبَّهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ تَغْفِرُ لِي وَأَنْتَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ وَقَدْ فَعَلْتُ بِالرَّجُلِ مَا فَعَلْتُ؟ قَالَ: فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ: صَدَقْتَ يَا دَاوُدُ، أَنَا الْحَكَمُ الْعَدْلُ؛ وَلَكِنْ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعْتُكَ إِلَى أُورِيَا مُسَلَّماً، ثُمَّ اسْتَوْهَبْتُكَ مِنْهُ، فَيَهَبُكَ لِي وَأُثِيبُهُ الْجَنَّةَ قَالَ: يَا رَبِّ الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي فَذَهَبَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ يَابِسٌ لَا يَسْتَطِيعُ، فَمَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِبَعْضِ رِيشِهِ فَانْبَسَطَ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا دَاوُدُ، قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ امْرَأَةَ أُورِيَا فَتَزَوَّجَهَا، فَتَزَوَّجَهَا دَاوُدُ فَوَلَدَتْ لَهُ سُلَيْمَانَ، لَمْ تَلِدْ قَبْلَهُ شَيْئاً وَلَا بَعْدَهُ؛ قَالَ كَعْبٌ: فَوَاللهِ لَقَدْ كَانَ دَاوُدُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ لَيَظَلُّ صَائِماً فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ، يُقَرَّبُ إِلَيْهِ الشَّرَابُ، فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَى فِيهِ ذَكَرَ خَطِيئَتَهُ، فَيَبْكِي فِي الشَّرَابِ حَتَّى يَفِيضَ، ثُمَّ يَرُدُّهُ وَلَا يَشْرَبُهُ⁽١⁾. فَانْظُرْ إِلَى دَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ كَانَ يَبْكِي عَلَى ذَنْبِهِ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ بَعْدَ ضَمَانِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الْمَغْفِرَةَ، وَعِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَيَقِينِهِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ صَدَّقَهُ فِيمَا وَعَدَهُ، مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ بَاكِياً مُشْفِقاً وَجِلاً. وَكَذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾﴾، وَقَالُوا فِي الْآخِرَةِ: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿٢٦﴾ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴿٢٧﴾﴾؛ يَقُولُونَ: بِرَحْمَتِهِ الَّتِي جَعَلَ سَبَبَهَا إِشْفَاقَنَا. وَلَيْسَ بُكَاؤُهُمْ وَإِشْفَاقُهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ بُكَاءِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ لِقَلْبِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ.

--------------------

(١) عزاه السيوطي إلى تخريج عبد الله بن حميد عن كعب في الدر المنثور (١٦٢/٧) ، ونقله عن المؤلف مكي بن أبي طالب في تفسيره (٦٢٣٤/١٠) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت