الصفحة 105 من 119

وقرأ نافع وابن عامر (فإن الله الغني الحميد) بغير (هو) . والباقون (هو الغني) على أن يكون فصلا. ويجوز أن يكون مبتدأ و (الغني) خبره والجملة خبر إن. ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلا، لأن حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ.

وقال السعدي رحمه الله:

قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) .

يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا، وما هي عليه، ويبين غايتها، وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات عمرهم بلهو قلوبهم، وغفلتهم عن ذكر الله، وعما أمامهم من الوعد والوعيد، تراهم قد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا. بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد شغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي. وقوله: (وزينة) ، أي: تزين في اللباس والطعام، والشراب والمراكب، والدور والقصور، والجاه وغير ذلك. (وتفاخر بينكم) ، أي: كل واحد من أهلها، يريد مفاخرة الآخر، وأن يكون هو الغالب في أمورها، والذي له الشهرة في أحوالها. (وتكاثر في الأموال والأولاد) ، أي: كل يريد أن يكون هو الكاثر لغيره، في المال والولد، وهذا مصداقه، وقوعه من محبي الدنيا، والمطمئنين إليها. بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرا، ولم يجعلها مستقرا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي توصله إلى دار كرامته، وإذا رأى من يكاثره، وينافسه في الأموال والأولاد، نافسه بالأعمال الصالحة. ثم ضرب للدنيا مثلا، بغيث نزل على الأرض، فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وأعجب نباته الكفار، الذين قصروا نظرهم وهممهم على الدنيا، جاءها من أمر الله، ما أتلفها، فهاجت ويبست، وعادت إلى حالها الأولى، كأنه لم ينبت فيها خضراء، ولا رؤي لها مرأى أنيق. كذلك الدنيا، بينما هي زاهية لصاحبها، زاهرة، مهما أراد من مطالبها حصل، ومهما توجه لأمر من أمورها وجد أبوابه مفتحة، إذ أصابها القدر فأذهبها من يده، وأزال تسلطه عليها، أو ذهب به عنها، فرحل منها صفر اليدين، ولم يتزود منها سوى الكفن، فتبا لمن أضحت هي غاية أمنيته ولها عمله وسعيه. وأما العمل للآخرة فهو الذي ينفع، ويدخر لصاحبه، ويصحب العبد على الأبد، ولهذا قال تعالى: (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان) ، أي: حال الآخرة، لا يخلو من هذين الأمرين: إما العذاب الشديد في نار جهنم، وأغلالها وسلاسلها وأهوالها لمن كانت الدنيا هي غايته، ومنتهى مطلبه، فتجرأ على معاصي الله، وكذب بآيات الله، وكفر بأنعم الله ... وإما مغفرة من الله للسيئات، وإزالة العقوبات، ورضوان من الله، يحل من أحله عليه دار الرضوان لمن عرف الدنيا، وسعى للآخرة سعيها. فهذا كله، مما يدعو إلى الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة ولهذا قال: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) أي: إلا متاع يتمتع به، وينتفع به، ويستدفع به الحاجات، لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت