الصفحة 106 من 119

يغتر به ويطمئن إليه إلا أهل العقول الضعيفة الذين يغرهم بالله الغرور ... ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، قال: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) .. وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح، والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك، فقال: ... (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) ، والإيمان بالله ورسله، يدخل فيه أصول الدين وفروعه، (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) ، أي: هذا الذي بيناه لكم، وذكرنا الطرق الموصلة إلى الجنة، والطرق الموصلة إلى النار، وأن ثواب الله بالأجر الجزيل، والثواب الجميل، من أعظم منته على عباده وفضله. (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، الذي لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحد من خلقه ...

(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور*الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)

ويقول تعالى مخبرا عن عموم قضائه وقدره: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم) ، وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتب في اللوح المحفوظ صغيرها وكبيرها. وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنه أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير. وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر. فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم، وتشوفوا إليه لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله، فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنِّه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم، ودفع النقم، ولهذا قال: (والله لا يحب كل مختال فخور) ، أي: متكبر فظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه كما قال تعالى: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 49)

(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، الذين كل منهما كاف في الشر: البخل وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها. (ومن يتول) عن طاعة الله، فلا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا. (فإن الله هو الغني الحميد) الذي غناه من لوازم ذاته، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي أغنى عباده وأقناهم. الحميد الذي له كل اسم حسن، وصف كامل، وفعل جميل، يستحق أن يحمد عليه، وينثى ويعظم عليه ... ***

الخلاصة مع الإمام السعدي رحمه الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت