فهرس الكتاب
20 - (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ*لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (الروم:42 - 45)
قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) والأمر بالسير في الأرض، يدخل فيه السير بالأبدان، والسير بالقلوب للنظر والتأمل، في عواقب المتقدمين ... (كان أكثرهم مشركين) تجدون عاقبتهم شر العواقب، ومآلهم شر مآل. عذاب استأصلهم، وذم ولعن من خلق الله يتبعهم، وخزي متواصل. فاحذروا أن تفعلوا أفعالهم، لئلا يحذى بكم حذوهم، فإن عدل الله وحكمته في كل زمان ومكان (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين) أي: أقبل بقلبك، وتوجه بوجهك، واسع ببدنك، لإقامة الدين القيم المستقيم. فنفذ أوامره ونواهيه، بجد واجتهاد، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة. وبادر زمانك، وحياتك، وشبابك، (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) وهو يوم القيامة، الذي إذا جاء، لا يمكن رده، ولا يرجأ العاملون ليستأنفوا العمل، بل فرغ من الأعمال، لم يبق إلا جزاء العمال (يومئذ يصدعون) أي: يتفرقون عن ذلك اليوم، ويصدرون أشتاتا متفاوتين، ليروا أعمالهم. ... (من كفر) منهم (فعليه كفره) ويعاقب هو بنفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى. (ومن عمل صالحا) من الحقوق التي لله، والتي للعباد، الواجبة والمستحبة. (فلأنفسهم) لا لغيرهم (يمهدون) أي: يهيئون، ولأنفسهم يعمرون آخرتهم، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها. ومع ذلك، جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم، بل يجزيهم الله من فضله الممدود، وكرمه غير المحدود، ما لا تبلغه أعمالهم. وذلك لأنه أحبهم، وإذا أحب الله عبدا، صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة. وهذا بخلاف الكافرين، فإن الله لما أبغضهم ومقتهم، عاقبهم وعذبهم، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم، فلهذا قال: (إنه لا يحب الكافرين) ..
21 - (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان 18)
(يا بني أقم الصلاة) حثه عليها، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية. (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) وذلك يستلزم العلم بالمعروف، ليأمر به، والعلم بالمنكر، لينهى عنه. والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله: (واصبر على ما أصابك) ومن كونه فاعلا لما يأمر به، كافا لما ينهى عنه، فتضمن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه. ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: (واصبر على ما أصابك إن ذلك) الذي وعظ به لقمان ابنه (من عزم الأمور) أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم. (ولا تصعر خدك للناس) أي: لا تمله وتعبس بوجهك