الصفحة 77 من 119

قوله عالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)

(إن قارون كان من قوم موسى) أي: من بني إسرائيل، الذين فضلوا على العالمين، وفاقوهم في زمانهم، وامتن الله عليهم بما امتن به، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة. ولكن قارون هذا، انحرف عن سبيل قومه (فبغى عليهم) وطغى، بما أوتيه من الأمور العظيمة المطغية. (وآتيناه من الكنوز) أي: كنوز الأموال شيئا كثيرا. (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) والعصبة، من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك. أي: حتى إن مفاتح خزائن أمواله، تثقل الجماعة القوية عن حملها ... هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ (إذ قال له قومه) ناصحين له محذرين له عن الطغيان: (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) أي: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة، وتفتخر بها، وتلهيك عن الآخرة، فإن الله لا يحب الفرحين بها، المنكبين على محبتها.

19 - (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77)

قال القرطبي رحمه الله:

قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) أي أطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي ... (ولا تنس نصيبك من الدنيا) اختلف فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها؛ فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة.

وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك؛ فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبْوة من الشدة؛ قاله ابن عطية ..

قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .... وعن الحسن: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغ .... وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف وقيل: أراد بنصيبه الكفن فهذا وعظ متصل؛ كأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر: ... نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوى فيهما وحنوط

وقال آخر: ... وهي القناعة لا تبغي بها بدلا ... فيها النعيم وفيها راحة البدن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت