فهرس الكتاب
قال الطبري رحمه الله:
القول في تأويل قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مّشْرِكِينَ) .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: سِيروا في البلاد, فانظروا إلى مساكن الذين كفروا بالله من قبلكم, وكذّبوا رسلَه, كيف كان آخر أمرهم, وعاقبة تكذيبهم رسُلَ الله وكفرهم .. ألم نهلكْهم بعذاب منا, ونجعلهم عبرة لمن بعدهم؟ ... (كان أكثرهم مشركين) ، يقول: فَعَلنا ذلك بهم, لأن أكثرهم كانوا مشركين بالله مثلَهم.
القول في تأويل قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ الْقِيّمِ مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لاّ مَرَدّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ يَصّدّعُونَ) .
يقول تعالى ذكره: فوجّه وجْهَك يا محمد نحوَ الوجه الذي وجّهك إليه ربك للدّينِ القَيّمِ لطاعة ربك, والمِلةِ المستقيمةِ التي لا اعوجاج فيها عن الحقّ. (مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدّ لَهُ مِنَ اللّهِ) يقول تعالى ذكره: من قبل مجيءِ يومٍ من أيام الله لا مردّ له لمجيئه, لأن الله قد قضى بمجيئه فهو لا محالة جاءٍ .. (يَوْمَئِذٍ يَصّدّعُونَ) يقول: يوم يجيء ذلك اليومُ يصدّع الناسُ, يقول: يتفرّق الناس فرقتين من قولهم: صَدَعتُ الغنم صدعتين: إذا فرقتها فرقتين: فريق في الجنة, وفريق في السعير ...
القول في تأويل قوله تعالى: (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) .
يقول تعالى ذكره: (من كفر) بالله، (فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي أوزار كفره, وآثام جحوده نِعَمَ ربه ... (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحا) يقول: ومن أطاع الله, فعمل بما أمره به في الدنيا, وانتهى عما نهاه عنه فيها (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) يقول: فلأنفسهم يستعدون, ويسوّون المضجع ليسلموا من عقاب ربهم, وينجوا من عذابه, كما قال الشاعر: ... امْهَدْ لنَفْسِكَ حانَ السّقْمُ والتّلَفُ ... وَلا تُضِيعَنّ نَفْسا ما لَهَا خَلَفُ
القول في تأويل قوله تعالى: (لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ) .
يقول تعالى ذكره: يومئذ يصّدّعون ... لِيَجزيَ الّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يقول: وعملوا بما أمرهم الله مِنْ فَضْلِهِ الذي وعد من أطاعه في الدنيا أن يجزيه يوم القيامة إنّهُ لا يُحِبّ الكافِرِينَ يقول تعالى ذكره: إنما خصّ بجزائه من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون من كفر بالله, إنه لا يحبّ أهل الكفر به. واستأنف الخبر بقوله إنّه لا يُحِبّ الكافِرِينَ وفيه المعنى الذي وصفت.