فهرس الكتاب
قال القرطبي رحمه الله:
قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)
(قل سيروا في الأرض) أي قل لهم، يا محمد، سيروا في الأرض .. ليعتبروا بمن قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل .. (كان أكثرهم مشركين) أي كافرين فأُهلِكوا ....
قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)
(فأقم وجهك للدين القيم) قال الزجاج: أي أقم قصدك، واجعل جهتك اتباع الدين القيم؛ يعني الإسلام. وقيل: المعنى أوضح الحق وبالغ في الإعذار، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم ... (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) أي لا يرده الله عنهم، فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه ... والمراد يوم القيامة. (يومئذ يصدعون) قال ابن عباس: معناه يتفرقون. وقال الشاعر: ... وكنا كنَدْمانَي جَذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
أي لن يتفرقا؛ .. نظيره قوله تعالى: (يومئذ يتفرقون) (الروم: 149) :فريق في الجنة، وفريق في السعير. والأصل يتصدعون؛ ويقال: تصدع القوم إذا تفرقوا؛ ومنه اشتق الصداع، لأنه يفرق شعب الرأس.
قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)
(من كفر فعليه كفره) أي جزاء كفره. (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح؛ .. ومنه: مهد الصبي. والمهاد الفراش، وقد مهدت الفراش مهدا: بسطته ووطأته. وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. وتمهيد العذر: بسطه وقبوله. والتمهد: التمكن. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (فلأنفسهم يمهدون) قال: في القبر.
قوله تعالى: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)
(ليجزي الذين آمنوا) أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله. وقيل يصدعون ليجزيهم الله؛ أي ليتميز الكافر من المسلم .... (إنه لا يحب الكافرين) .
قال البغوي رحمه الله:
قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) ، لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية، (كان أكثرهم مشركين) ، أي: كانوا مشركين بالله، فأهلكهم بكفرهم ... (فأقم وجهك للدين القيم) ؛أي الدين المستقيم، وهو دين الإسلام ... (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) ، يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رده من الله ... (يومئذ يصدعون) ، أي يتفرقون: فريق في الجنة، وفريق في السعير ...
(من كفر فعليه كفره) ، أي وبال كفره ... (ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون) ، يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور .. (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم، (إنه لا يحب الكافرين) .