الصفحة 81 من 119

وقال السعدي رحمه الله:

قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) والأمر بالسير في الأرض، يدخل فيه السير بالأبدان، والسير بالقلوب للنظر والتأمل، في عواقب المتقدمين ... (كان أكثرهم مشركين) تجدون عاقبتهم شر العواقب، ومآلهم شر مآل. عذاب استأصلهم، وذم ولعن من خلق الله يتبعهم، وخزي متواصل. فاحذروا أن تفعلوا أفعالهم، لئلا يحذى بكم حذوهم، فإن عدل الله وحكمته في كل زمان ومكان (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين) أي: أقبل بقلبك، وتوجه بوجهك، واسع ببدنك، لإقامة الدين القيم المستقيم. فنفذ أوامره ونواهيه، بجد واجتهاد، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة. وبادر زمانك، وحياتك، وشبابك، (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) وهو يوم القيامة، الذي إذا جاء، لا يمكن رده، ولا يرجأ العاملون ليستأنفوا العمل، بل فرغ من الأعمال، لم يبق إلا جزاء العمال (يومئذ يصدعون) أي: يتفرقون عن ذلك اليوم، ويصدرون أشتاتا متفاوتين، ليروا أعمالهم. ... (من كفر) منهم (فعليه كفره) ويعاقب هو بنفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى. (ومن عمل صالحا) من الحقوق التي لله، والتي للعباد، الواجبة والمستحبة. (فلأنفسهم) لا لغيرهم (يمهدون) أي: يهيئون، ولأنفسهم يعمرون آخرتهم، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها. ومع ذلك، جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم، بل يجزيهم الله من فضله الممدود، وكرمه غير المحدود، ما لا تبلغه أعمالهم. وذلك لأنه أحبهم، وإذا أحب الله عبدا، صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة. وهذا بخلاف الكافرين، فإن الله لما أبغضهم ومقتهم، عاقبهم وعذبهم، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم، فلهذا قال: (إنه لا يحب الكافرين) ..

21 - (و-(فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ *وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ*وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ *) (الشورى:36 - 46)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت