وينبغي للمُفْتي أن يكون حَذِرًا من تلبيسِ إبليس الذي لبَّس به على بعض المنتسبينَ إلى الفقه؛ فيما ذكره ابنُ الجوزي بقوله: «ومن ذلك: أن إبليسَ لبَّس عليهم بأنَّ الفقهَ وحده علمُ الشرعِ، ليس ثَمَّ غيرُهُ، فإن ذُكِر لهم مُحَدِّثٌ قالوا: ذاك لا يفهم شيئًا، وينسون أنَّ الحديثَ هو الأصلُ، فإن ذُكِر لهم كلامٌ يَلين به القلبُ قالوا: هذا كلام الوُعَّاظ. ومن ذلك: إقدامُهم على الفَتْوى وما بلغوا مرتبتَها، وربما أفتَوا بواقعاتهم المخالفةِ للنصوصِ، ولو توقَّفوا في المشكلات كان أولى» [21] .
أدب المفتي والمستفتي:
ومن الآداب التي كان المفتي والمستفتي من السلف يَتَحَلَّون بها: تركُ السؤال والجواب عمَّا لم يَقَعْ، وعما لا يحتاجُ إليه الإنسان، وعما لم يُفْرَضْ، ولم يكلِّفْنا الله تعالى به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وما قد يكونُ فيه تشديدٌ على السائل، أو إساءةٌ له:
فقد أخرج مسلم في «صحيحه» [22] من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَطَبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يأيها الناسُ قد فرَضَ الله عليكم الحجَّ فحُجُّوا"، فقال رجل: أَكُلَّ عام، يا رسول الله؟ فسكَتَ، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو قلتُ: نعم، لوَجَبَتْ، ولما استَطَعْتُم"، ثم قال:"ذَروني ما تَركتُكُم، فإنما هَلَكَ من كان قَبلَكُم بسؤالهم واختِلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكُم بشيءٍ فَأْتُوا منه ما استَطَعتُم، وإذا نَهيتُكُم عن شيءٍ فدَعُوه".
وخرَّجه الدارقطني من وجه آخر مختصرًا وقال فيه: فنزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ...} [المَائدة: 101] [23] .