فهرس الكتاب
هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على حلف الفضول. وحلف الفضول هذا هو أكرم حلف سمع به العرب وأشرفه، وكان في الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وكان سببه أن رجلًا من زبيد جاء إلى مكة ببضاعة له فاشتراها منه العاص بن وائل؛ وكان ذا شرف، وذا قدر كبير في قومه قريش، فمنعه حقه، فاستعدى الزبيدي عليه الأحلاف من قريش، فأبوا أن ينجدوه وينصروه، فذهب إلى جبل أبي قبيس وعلا فوقه ثم نادى بأعلى صوته بشعر له يصف فيه ظلامته وقريش في أنديتها حول الكعبة تسمعه، فسعوا في ذلك. سعى منهم الزبير بن عبد المطلب في هذا الأمر واجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان، وتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على ظالمه، حتى يأخذوا له بحقه منه.
فسمعت قريش بهذا الحلف، فأثنت عليه وآزرته، ثم مضى هؤلاء إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق هذا الزبيدى.
والنبي كان حكيما في قضائه يعدل بحكمة ويحكم بعدل، وهاهو مثال عملي على ذلك العدل الحكيم؛ حيث حكم بين متخاصمين بعدل جميل. فعن حرام بن محيصة عن أبيه:"أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل." (رواه أحمد) .
وكان صلى الله عليه وسلم لا يرضى تعطيل حدود الله، التي شرعها سبحانه لإقامة العدل بين الناس، ولو كان الجاني من أقربائه وأحبابه. ففي حادثة المرأة المخزومية التي سرقت لم يقبل شفاعة أسامة، وقال مقالته المشهورة:"أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد." (رواه البخاري و مسلم) .