بعد ذلك كان عليّ فتح النوافذ، وكنس البيت، فملازمة أمّي الفراش لم تسمح بشطفه. وفي السابعة أطلّت الشمس بحدة منذرةً بنهار حار بعد ليل مؤرق حبست فيه الحرارة العالية (الأوكسجين) عن صدورنا، ممّا جعلني أسرع بغسل الملابس والبيّاضات التي لابدائل لها، ونشرها على السطح قبل أن يسبقني إلى ذلك الجيران أو تحتدّ الشمس أكثر. وعليَّ أيضًا إنهاء تصحيح الاختبارات الخطيّة للتلاميذ قبل الثانية عشرة ظهرًا، أي قبل بدء الدوام المدرسي، وهذا ماعكفت عليه وأنا أجلس إلى جوار أمي تحسّبًا للطوارئ، وأحيانًا أترك عملي لأسندها من مرفقها فأقودها إلى المطبخ أو الحمّام. أو لأراقب الساعة فأناولها كأس ماء وحبّة دواء.
في الساعة التاسعة ارتديت ملابسي على عجل لصرف الوصفة الجديدة من السوق، ولم أخط قيد شعرة قبل أن أترك أمّي أمانة في عنق الجارات.
في الشارع واجهتُ أمرين لايُطاقان: كثافة الزحام وحرارة الشمس. واضطّرتني قلّة المال أن أقطع الشارع العام وأصل السوق راجلةً، حيث ابتعت دوائي وصدمني ثمنه الباهظ... وصدمت كذلك رغبتي في العودة إلى البيت بسيارات الخدمة المنتشرة، التي تصل خلال دقائق إلى أبعد نقطة في المدينة فترحم الناس من سيلان العرق، وسياط الحرّ.
ها أنا أتابع سيري باتجاه حي (المينا) ، عليَّ قبل العاشرة أن أصل دار المالك، وأدفع له أجرة بيته الذي نسكنه، إذ ترتّب علينا تأخير لايغتفر هذه المرّة.. وبعد أخذ وردّ لم أسلم خلاله من غضب ولسع كلام، ودّعت الرجل وسرت تحت الشمس من أقصى حي شمال المدينة إلى أقصى حي شرقها.
لعلّي الآن لا أحسد على وضعي: فأنا أشعر بدبيب حبّات العرق فوق جبهتي، وتحت ذقني وإبطيَّ، بل أشعر بتكثّف قطراته تحت الجلد، وانبجاسها خلال المسام خلف أذني وأعلى الفخذين وأسفل ظهري، مما تسبّب بلزوجة ونتانة ولّدت فيَّ استياءً.
حاولت تناسي الأمر وأنا أجدُّ السير بين شوارع مزحومة وأرصفة مأهولة، ولاشك أنّ النشاط الناجم عن مشيٍ سريع قد أحيا روحي، واستدعى انتباه الناس لي سيّما وأنا أنسلّ بخفّة بين السيارات الواقفة بأمر من شارة المرور. وإن كان عليَّ أن أشعر بالحرج من ذلك.. فعلى الآخرين بالمقابل أن يتفهموا الدافع الأليم الذي جعلني أسير كالمجانين تحت شمس حارقة فيما هم يركبون (التاكسي) .